مجلة الحياة، العدد 10 (مبوبة) مجلة الحياة

من فقه المراسلة إلى فقه المواجهة

الجزء ١ · صفحة ١٠

من فقه المراسلة إلى فقه المواجهة

(مسيرة الإمام الشيخ حمُّو بن عمر فخَّار)

د. محمد بن موسى باباعمي

معهد المناهج، الجزائر

تمهيد:

إنَّ الحركات التغييرية إذا افتقدت المواجهة، وعدمت خوض غمار الحياة، تحوَّلت إلى قطعان من البشر لا خير فيها، ولا أمل جرَّاءها، ولقد عانى وادي ميزاب - في السنين الأخيرة - من دعوة للوحدة قاتلة للمبادرة، ومن اعتبارات ولَّدت عبارات كلُّها مداهنة، فصدق في بعضها قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ (سورة القلم: 9) …

لا خير في إصلاح لا يبدع الجديد بلا توان، ولا يحارب القديم بلا هوادة، ذلك أنَّه إذا لم يفعل فقَدَ مبرِّر وجوده، وخسر مساحته ومكانته … ولا خير في محافظة لا تدافع عن الثوابت والأصول، ولا تنصِّب نفسها حامية للقديم، ومحامية على التراث.

ولا يخلو بلد من البلدان المتقدِّمة في عالم اليوم من حزبين رئيسين هما: حزب المحافظين، وحزب الإصلاح؛ ذلك أنَّ التوازن يولد من رحم الاحتكاك، وأيُّ إقصاء لطرف لحساب آخر سيدفع بالأمم - لا محالة - إمَّا إلى جمود وركود، وإمَّا إلى اندفاع وانسلاخ؛ فيا مرحبا بالاختلاف في ربوع وادينا، ويا مرحبا بروح النقد تزهر وتورق فتثمر حضارة فريدة، وتدفع التخلف والانهزام …

بل إنَّ الدارس لسيرة الصحابة رضوان الله عليهم، ولتاريخ الأمَّة الإسلامية في أعلى مراقيها، ليتعجَّب من الاختلاف الذي يميز الناس ويسم حياتهم كلَّها بسمة من الإبداع، فولدت بذلك المذاهب الفقهية، والحركات السياسية، والتيارات الفكرية … ولا عيب في ذلك البتة؛ بل العيب والعار في حشر الناس تحت راية واحدة، ونشر الفرعونية في سياسة البلاد والعباد، ألم يقل فرعون في الغابرين: «ما أريكم إلاَّ ما أرى وما أهديكم إلاَّ سبيل الرشاد».

فالمطلوب بحقٍّ هو روح المرأة العظيمة بلقيس، التي لو كان لنا اليوم من أمثالها امرأة لعيناها - على رأي الإمام محمد الغزالي - إماما على المسلمين، ولوليناها الإمامة الكبرى، لا الصغرى كما قد يظنُّ البعض خطأ … ألم تقل لقومها في صراحة لا مثيل لها: {مَا كُنتُ قَاطِعَةً اَمْرًا حَتَّى

١٠ / ٢٢١