من فقه المراسلة إلى فقه المواجهة
الجزء ١ · صفحة ١٢ولقد برز الشيخ حمُّو فخَّار أديبا ومفكِّرا في رسائله، وكان أستاذًا فريدًا في فقه المراسلة، ولم يكن أقلَّ قدرا في فقه المواجهة والمنافسة، صادقا في مواقفه، واضحا في أفكاره، يكره الغموض، ويهزأ بالمترددين، يحبُّ الصدق والصفاء، ويمقت المتلوِّنين الإمَّعات، فنَذَر حياتَه كلَّها لهذا السبيل، فلقي الله تعالى عليه، فلم يبدِّل قيد أنملة، ولم يغيِّر شرو نقير …
وسنحاول في هذه العجالة أن نسبر غور هذه المراسلات، بحثا عن مواطن المواجهات، في موضوع اخترنا له عنوانًا يحمل بعض الإثارة، وهو: «من فقه المراسلة إلى فقه المواجهة».
جهاد الفحول:
في المقدَّمة التي أعدَّها الشيخ لكتاب المراسلات، أبان الشيخ عن الغرض الذي من أجله خطَّ تلك الكتابات، ومن أجله سعى وحرص على طباعتها، وإفادة الناشئة بها، فقال: وغرضها - أي المراسلات - «أن ترفع الحجاب عن جهاد الفحول ومعاناتهم في مضمار الحياة المليئة باختلاف الغايات وتشابك الأهداف، حتى صاح رائدُهم:
فلا تحسبنَّ المجدَ زِقًّا وقينةً.:.:. فما المجدُ إلاَّ السيفُ والفتكةُ البكرُ
وتضريبُ أعناقِ الملوكِ وأن تُرى.:.:. لك الهبواتُ السُّودُ والعسكرُ المجرُ
وتركُك في الدنيا دويًّا كأنَّما.:.:. تَدَاوَلَ سمعَ المرءِ أنملُه العشرُ
وكم في تاريخ أوائلنا الأقربين والأبعدين من مواقف حافلة بالرجولة الحقَّة، مليئة بالروائع الأدبية التي تستحق السجود، سجود الاعتراف للمخلوق، لا سجود العبادة للخالق. لكنها لا تزال مطمورة تحت رُكام الإهمال والنسيان، كالكنوز المدفونة تحت رمال وارجلان، من مخلفات الدولة الجزائرية الذائعة الصيت في تيهرت. والتي لا عيب فيها ولا في ملوكها الأفذاذ إلاَّ ما سجله الشاعر القديم عن قومه حيث قال:
وَلاَ عَيبَ فِيهِم، غَيرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ.:.:. بِهَا مِن قِرَاعِ الدَّارِعِينَ فُلُولُ
فأيُّ تهاون في إبراز تلك الكنوز -حيثما كانت -يعرِّضها حتمًا لدابَّة الأرض التي أكلت منساة سليمان، وللجاهلية تمزِّقها وتحرِّقها. فما أجدر بنا أن نتخلَّق بالحكمة المشهورة الذائعة: «غرسوا فأكلنا ونغرس فيأكلون». بل ما أحرانا أن نرقى إلى سماء الحكماء ولب الحكمة، فينادي خلفُنا مباهيا بعصره: «كم ترك الأوَّل للآخر»، وعندها يسلَم ونسلم معه من معرة المعرات «ما ترك الأول للآخر»».
وإنَّ اختلاف الغايات، وتشابك الرؤى والأهداف، طبيعةٌ في الحياة، وهي لعمري مسيرة الأنبياء والمرسلين، من لدن آدم عليه السلام، إلى خاتم الأنبياء والمرسلين، محمَّد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم … ولولا هذا التنازع، والاختلاف، والمواجهة، لما كان لإنزال الأنبياء والرسل معنى، ولما احتاج العالم إلى مصلحين ومغيرين، ولاستحالت الحياة إلى رتابة قاتلة، وخمود مهين … وهذا