الهجرة مفهوم وحقيقة
الجزء ١ · صفحة ٢٠٤الهجرة مفهوم وحقيقة
أ/ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج
معهد الحياة ـ القرارة
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال، يخلق ما يشاء ويختار، سبحانه هو الواحد القهار.
وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمدا عبد الله ورسوله، أرسله ربه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، هو صاحب اللواء المعقود، والمقام المحمود، والموقف المشهود، والحوض المورود.
اللهم صل عليه، وعلى آل بيته الطيبين الذين واسوه ونصروه، وصحابته المجتبَين الذين آووه وعزروه، فكانوا للورى مثالا يقتفى، وحديثا يصطفى، وذكرا يحتفى، وعلى الذين سلكوا نهج الرشاد بعدهم ممن آتاهم الله رشدهم، فزادهم الله هدى وآتاهم تقواهم.
أيها الإخوة المؤمنون، إن لله تعالى أياما تترى علينا طوال العام دواما، نعيش أحداثها تباعا، ولا نستطيع عنها انفصاما، اصطفاها المولى جل في علاه بما خلد فيها من مآثر، وجلاها بما ورد فيها من مفاخر، جعلها منازل على قارعة الطريق يتفيأ ظلالَها كلُّ راكب أعياه المسير، وأقامها موارد يرد معينها كلُّ سارب أظمأه الهجير، ونصبها منابر يأنس بنورها الساري في ظلمة الليل البهيم، لعل الغافلَ يستذكر، والضعيفَ يستنصر، والضالَ يستبصر، حكمة بالغة فما تغني النذر. فلقد مرت علينا من هذه الأيام الخالدات قبل زمن يسير يومُ التاسع من ذي الحجة، أعظم يوم في العام، يومُ عرفة الذي أنزل الله تعالى فيه قوله الخالد: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسْلاَمَ دِينًا﴾ (سورة المائدة: 3)، والذي قال فيه المصطفى عليه السلام الحج عرفة، وصومه لغير الحاج يكفِّر سنة ماضية وسنة آتية. ومن بعده حلَّ علينا يوم عيد النحر، وهو يوم الحج الأكبر، يوم التضحية والفداء، ويوم الإخلاص والوفاء، للواحد الديان الذي يعلم السر وأخفى.
ونحن على بعد أيام من حدث جليل، ومعلم أثيل، يكر علينا كل عام من غير أن يحيي فينا مواتا، ويحل علينا على الدوام من غير أن يزيل عنا سباتا، وقد ضربت على المسلمين من الذلة مسحة، وغشيتهم من المسكنة نفحة، حدث قدسه الأسلاف فكانوا في أعلى عليين، ودسه الأخلاف فكانوا في أسفل سافلين، حدث صنعه الأجداد فكانوا غرة في جبين الورى، وضيعه الأحفاد فكانوا ذرة في مهين الثرى، ولاشك أن هذا اليوم قد يدور في خلد بعض المسلمين فما يقيمون له في نفوسهم خُلدا، ويسهو عنه أكثر الغافلين فيمر عليهم مرور الوابل على صفوان فيتركه صلدا، وقد لا أجشم نفسي عناء التدليل عليه، ولا أرهق أفكاركم مشقة السؤال عنه، فهو عند الأولين مرقوم بيوم الهجرة للحياة، فاتخذوه بداية تأريخ لأمة الإسلام مجيد، وهو عند الآخرين موسوم بيوم العطلة للسُّبات، فرفعوه شعارًا لا يذكي في النفوس شيئا ولا يجيد.
أيها الإخوة الأعزاء، ويا بني قومي الأوفياء، تعالوا معي نتصفح على استحياء منا مقامَ أولئك الذين صنعوا هذا الحدث العظيم، وخلدوا ذكرهم في آي الذكر الحكيم، فكان لهم لسانُ صدق في الآخرين، ومقعدُ صدق عند مليك رب العالمين، لننظر كيف أمسى حال المسلمين اليوم بعد مضي مئين من السنين، وكيف أضحى أمرهم بعد أن ضننا على أنفسنا بسلوك نهج الرشاد، وخلدنا إلى دار المعاش في غفلة عن دار المعاد، فاكتفينا من الثمرة بالقشور فاستبدلنا الذي هو أدنى بالذي هو خير، ولقد امتدح الله تعالى أولئك الأفذاذ من صفوة مُبدع الخَلق، وصُحبة خير الخلق مدحا لم يرق إليه غيرهم، وخلع عليهم من الصفات ما لا مطمع فيها لأحد بعدهم، فاصطلح على تسميتهم