افتتاحية الحياة في عددها العاشر
الجزء ١ · صفحة ٣افتتاحية الحياة في عددها العاشر
د. صالح بن عبد الله أبو بكر (*)
طُلب منِّي ـ أو بصراحة ـ كلِّفت بكتابة افتتاحية دورية الحياة، في عددها العاشر، فحاولتُ الاعتذار والتهرُّب من هذا التكليف، شعورًا بثقل المسؤولية من جهة، وانشغالاً بالمهام الكثيرة التي كبَّلني بها المواطنون من جهة أخرى، وهي بعيدةٌ كل البعد عن الكتابة الأدبية والبحث العلمي.
لكنِّي تيقَّنت أن لا ملجأ ولا مناص إلا الرضوخ وتلبية الطلب، خصوصًا وأنِّي قد تصفَّحت الأعداد السابقة، فوجدتُ أن أغلب كتَّاب الافتتاحيات فيها ـ وهم أرسخ مني قدما في الأدب والبلاغة، وأكثر مني مسؤولية وأشغالاً في المجتمع ـ لم ينفعهم لا اعتذارٌ ولا تملُّص.
وأكيدٌ أن الاعتذار والتهرب عن كتابة الافتتاحيات، يكمن في تقدير المكانة العالية لدورية الحياة، ومعهد الحياة، منبر الأدباء وأصحاب البيان، مما جعل الكثير يتحرَّج من قول عبارة أو تحرير فقرة، أمام سيبويه المعهد الشيخ عدُّون ـ رحمه الله ـ وحتى في حضرة تلاميذه من بعده.
وانطلاقا من ثوابت معهد الحياة ورصيده ومنهجه، في معالجة القضايا الوطنية والإسلامية، فمشايخ المعهد كانوا ممن لا تهدأ صيحاتهم لمناصرة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، من أمثال الشيخ أبي اليقظان، والشيخ بيُّوض، والشيخ عبد الرحمن بكلِّي، ومن مشايخ المعهد من لم يحجم قلمه يوما عن تحرير المقالات البليغة، والقصائد النارية، للدفاع عن عزة الإسلام وكرامة المسلمين .. فعلى سبيل المثال لا الحصر، اسمعوا الشيخ أبا اليقظان وهو يحدِّد معالم الوطنية عنده فيقول: «إنما الوطنية شرارة ناريَّة يقذفها الله في النفس فيلتهب بها الدماغ، وترسل أشعَّة نورها إلى القلب فتحرك حرارتها الأعضاء، وتنير الأشعة الساطعة أمامها سبيل العمل. إنَّما الوطنيةُ الحقَّة أن يسعى الإنسان قدر جهده لجلب الخير العميم لوطنه ودفع الضرر عنه، بمقتضى العقل والحكمة والشرع والقانون. إنَّ الوطنية الحقَّة أن يفنى الإنسان في مصلحة العموم لا مصلحة الذات، ويضحِّيَ بهذه لأجل تلك. إنَّ الوطنية الحقَّة أن يشقى الإنسان ليسعد وطنُه، ويَذِلَّ ليعزَّ، ويفقر ليستغنِيَ، ويموتَ ليحيَى» (1)