فن الخاطرة في نثر الشيخ أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ١١٠عن أحاسيسه الصادقة، استجابة لفطرته النقية التي كانت مصدره، ولحمته، وسدى أدبه في مقاله الخاطري، في تجليات إسلامية رائدة، ورؤى جليلة، في تصور شمولي للكون والحياة والإنسان تتوغل في فيافي حيرتنا، ومهامه افتراقنا، ومفاوز وجودنا، بإيمان راسخ، وعقيدة صلبة الجذور، عريقة الأصول، وارفة الظلال، بعيدة الأغوار، نقية في جوهرها، سامية في مطلبها، متوازنة في رؤيتها، ملتزمة بالقيم الإسلامية: العدالة، والإخاء، والحرية. متناغمة مع القيم الجمالية: الجمال، والحق، والخير، فكانت المقالة الخاطرية عنده: نبض حياة، ودفقة شعور، تستمد إشعاعاتها من تصوره الإسلامي الشامل، وإيحاءاتها من تجاربه اليومية، وأصالة أفكاره، بذوق رفيع، وإحساس عميق بدوره الرسالي وبحرية المؤمن، وطلاقة المدلج في ليالي الهم الحضاري؛ لا تيه، ولا ضياع؛ تعطره السنة، وسمو الآيات الربانية، وسبحات المتصوفة النقية؛ باستلهام المواقف الكبرى، ومعاضدة المؤمنين أينما كانوا، والترجمة العفوية لخلجات النفس، والتدرج في دوائر تتسع شيئا فشيئا حتى تشمل هموم أمته.
وإذا كان الأمر كذلك فما هي الخاطرة وما هي أهم خصائصها عند هذا الأديب المسلم الذي وعى حركة الفكر الحديث وصراع الأفكار في المجتمعات الإنسانية؟ هذا ما سنرى في هذا البحث.
2 - مقال الخاطرة:
الخاطرة أو الخطرة هي الذكرة، ومنها خطرت خاطرة على القلب من ذكراك وهنا فما استطعت مضيا (4) وهي من الخاطر أي ما يخطر بالقلب من تدبير، أو أمر، أو رأي، وهو الهاجس (5) وجمعه خواطر، وهو ما يذهب إليه القدماء والمحدثون (6).
وهي «لمحة ذهنية خاطفة لحادث عرض، تحمل مشاعر الكاتب إزاءه، وتخلو من الأسانيد، ولا تحتاج إلى حجج على صحتها، ولا تتجاوز ـ غالبا ـ عمودًا في صحيفة» (7) بل هي موجة كهربائية تسري في المبدع، وإحساس مفاجئ، أو إعجاب معيّن، بل سُحُب تأتي وتمضي، لأنها «تجسد إحساسا مفردا حيال أحد الموضوعات ـ ما يقابل الفكر المركب ـ يتسم بالتأمل السريع لإحدى الظواهر، مع تسليط ضوء فكري مركز عليها، وحصرها في نطاق محدد من التناول، وتصاغ وفق عبارة «قصيرة» «مصورة» أي ذات انتقاء صوتي إيقاعي من حيث تجانس وتآلف الحرف والمفردة والفقرة، وذات عنصر تخيلي يعتمد الصورة أو المأثور اليومي تعبيرا عن الإحساس الذي تقوم عليه الخاطرة» (8) أو كما يقول المتصوفة: «ما يرد على القلب والضمير من الخطاب» (9).
وهناك فرق بين المقالة والخاطرة، فالخاطرة مقالة صغيرة تقوم على الانفعال الوجداني بالتجربة أو الموقف خالية من التقريرية، والمقالة تميل عادة إلى التقريرية؛ لأن الخاطرة تعبير عن تجربة شعورية خاصة، ينساب فيها الأديب مع أحاسيسه وانفعالاته بهذه التجربة، بينما المقالة تجمع بين المشاعر