مجلة الحياة، العدد 10 (مبوبة) مجلة الحياة

فن الخاطرة في نثر الشيخ أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ١١١

والانفعالات الذاتية والمشاعر والانفعالات العامة حول تجربة عامة، كما أن الكاتب في الخاطرة يتخير التعبير والصورة بظلالها ومعانيها حسب الجو الشعوري، والحالة النفسية التي خالجته عند الانفعال، كما أن الخاطرة لا توجد في نفس الكاتب فكرة مسبقة عما سيكتب، وإنما هو يصور لحظة شعورية فجائية أو انفعال ذاتي فجائي، أما المقالة فهي فكرة قبل كل شيء وموضوع يتطرق إليه الكاتب بوعي وفق عناصره المرسومة في ذهنه وليس وفق الانفعال الوجداني (10) وهذا اللون من المقال نشأ في ظل الصحافة (11) وهو على الرغم من صغر حجمه، عمل ميسر للذهن، وممتع في الوقت نفسه، فيه من الشعر خاصية التركيز، وعمق النظرة، وحدة الشعور بالأشياء (12) ويحتاج «إلى الذكاء وقوة الملاحظة، ويقظة الوجدان» (4) ويتناول «الحياة والعيش والانطباعات الذاتية والأحداث .......

وتصوير الشخصيات، أو الذكريات، والأمور التي تتعلق بأحداث السياسة، والكون والاجتماع» (13) وعلى العموم إن المقالة نوعان «يتشابهان في الظاهر، ويختلفان في الحقيقة، فإحداهما انفعالية والأخرى تقريرية، ولعل من الأنسب أن نفرق بينهما في الاسم بدل أن نفرق بينهما في الوصف فنقصر لفظ المقالة على النوع الثاني، ونسمي النوع الأول «خاطرة» (14) وهذا النوع الأخير نبغ فيه كثير من الأدباء في العصر الحديث نتيجة لازدهار التعليم، وانتشار الصحافة، وانفتاحها على الموضوعات الإبداعية الحرة من جراء حركات التحرر والتنافس الإبداعي واستقرار الأوضاع نوعيا، ومن أشهر هؤلاء: مصطفى صادق الرافعي (15)، أحمد أمين (16)، والمازني (17)، ومحمد البشير الإبراهيمي (18)، وغيرهم كثير منهم «أحمد محمد الصاوي، وأنيس منصور، ومحمد زكي عبد القادر، وإبراهيم الورداني، ونعمان عاشور، ومختار الوكيل، وعبد الرحمن فهمي، وصلاح منتصر … » (19) وأيضا: ميخائيل نعيمة في «النور والديجور»، ومي زيادة، وكثيرٌ ممن كتبوا المقالة الخاطرة، لأن الخاطرة أصبحت في العصر الحديث ملح الجرائد، لأنها تقف في منزلة وسطى بين المقالة الجادة، والقصيدة الشعرية الكاملة لأنها تشكل نوعا أدبيا يعتمد الصياغة الجميلة بعبارات قصيرة مصورة مشرقة، تتناول حركة الإنسان، والمجتمع، والبيئة في شرائحها اليومية بنمو خاطف وعابر (20)، وهذه سمة العصر.

تلكم نظرة في الخاطرة، عند أولئك الذين يتسمون بانفعالية جمالية، ورؤية إنسانية تحررية عميقة، ولذا كانت الخواطر تلون بعض الجرائد: «كوادي ميزاب»، و «الأمة» بالجزائر إذ فيها مقالات تقترب من الشعر المنثور، لأن هذه المقالات ثمرة الذكرى، أو التأمل أو هي حصاد البحث والإيغال في عالم الكون والحياة، والسفر في مسامات التاريخ، موحية لنا بروح كاتبها المرحة، العاشقة للجمال، الباحثة عن الراحة الأبدية الولهانة إلى الحرية، المنطلقة إلى الفجر الآتي، وبخاصة حين تتحرر ألفاظه من المعنى القاموسي، فتفاجئك، وتدهشك، فتحس إزاءها بالانبعاث العاطفي

١١١ / ٢٢١