مجلة الحياة، العدد 10 (مبوبة) مجلة الحياة

الشيخ عدون الأستاذ المربي

الجزء ١ · صفحة ١٣٢

خصوصًا، يجادلني القول فيما ذهبت إليه.

وسأحاول هنا أن أوضح ما ذهبت إليه من خلال علاقتي به طالبًا بمعهد الحياة مدَّة ست سنوات (1954 ـ 1959) وأستاذًا خمس سنوات (1966 ـ 1971)، وسأدلل على خصائص هذه الأستاذية عند شيخنا من خلال مواقفه وآرائه.

إنَّ الذين تخرَّجوا في معهد الحياة ـ هذه المؤسسة العلمية العظيمة من لدن تأسيسها سنة 1925 حتى يومنا هذا ـ يعترفون ولا شكَّ بالآثار الروحية والمعنوية التي تركتها في أعماق نفوسهم شخصية أستاذنا الشيخ عدون المهيبة إخلاصًا وورعًا، وتفانيا وتضحية، وحبًّا وغرامًا بلغة القرآن الكريم، وهدي الدين الإسلامي الحنيف؛ لقد كان المبدأ الذي ما فتئ الشيخ عدون يغرسه في أبنائه الطلاب منذ يومهم الأول من التحاقهم بهذه المؤسسة وهم يجلسون أمامه في (درس الأخلاق العام) حتى حفلة تخرُّجهم، هو: أنَّ طلب العلم ينبغي أن يكون الهدف الأسمى منه رضا الله سبحانه وتعالى أولاً، ونفع المجتمع الإسلامي، والنهوض به ثانيًا. وما كان الشيخ في حاجة إلى تأكيد ذلك بلسان فصيح، أو أدب بليغ، أو شعارات تعلَّق في الردهات والجدران، لأنه كان يعظ الطلاب بسلوكه وأخلاقه، قبل أقواله ومواعظه.

لقد تجسَّد في شخصيته بحقّ ذلك الشعار الذي كان يُحفِّظه للطلاَّب ويروضهم عليه في جمعياتهم الأدبية والتربوية وهو: «الأخلاق قبل الثقافة، ومصلحة الجماعة قبل مصلحة الفرد»، وهما الشعاران اللذان يهدفان أساسًا إلى غرس الفضائل الإسلامية في نفوس النشء الصاعد؛ حتى يتوجَّه في كلِّ أعماله إلى العبادة والعمارة، إذ الشعار الأول يدعوه إلى إصلاح نفسه قبل إصلاح غيره، ليكون القدوة والمثل، كما يدعوه الشعار الثاني إلى التعالي عن الأخلاق الفردية الأنانية، وليكون بعلمه وثقافته نافعًا لأمته ومجتمعه، قبل أن يكون الغرض من ذلك نفع نفسه.

إنَّ من أهم عوامل نجاح هذه المؤسسة التعليمية التي تجاوزت في عمرها الثمانين سنة حافلةً بالمآثر والمفاخر، أن يكون فضيلة المرحوم الشيخ عدون مديرًا لها، ثم مشرفًا عليها حتى آخر أيام حياته، فإنَّ الخصال التي تحلَّى بها بوَّأته ليكون ـ بحق ـ المعلِّم القدوة، والأستاذ المربي؛ إخلاصًا وانضباطًا، حزمًا ونظامًا، جدًّا واجتهادًا، تسييرًا وتطويرًا، فقد أعطى لها كلَّ ما يملك من نفسٍ ونفيس، حتى غدت جزءًا من نفسه، وكائنًا حيَّا، اسمُ الشيخ عدُّون أحدُ أسمائها، ومَعْلَمًا إسلاميا حضاريًّا شريفي سعيد في مقدِّمة بُناته.

وما زلت أتذكر ـ وكل إخواني الأساتذة يتذكرون ـ ذلك اليوم من سنة 1995 حين استنفرنا للنظر والبحث في النهوض بمعهد الحياة؛ مناهج وبرامج، وقال لنا بالحرف الواحد: «لو أموت والمعهد على هذه الحال فإني أموت بغصَّة».

ومن هنا كان طلاَّب المعهد يرون فيه الأب الحاني حبًّا وإخلاصًا، والمدير الحازم انضباطًا ونظامًا،

١٣٢ / ٢٢١