الشيخ عدون الأستاذ المربي
الجزء ١ · صفحة ١٤١وحرصه هذا يتجلَّى في إدراجه مادَّة (المطالعة) الحرَّة والمقيَّدة في برنامج الدراسة بالمعهد، وتُعدُّ من أوليات المواد في الامتحانات لجميع السنوات.
فكان يحاسبنا نحن الطلبة على أنشطتنا تلك من خلال ما نستعيره من كتب من مكتبة المعهد التي كان يشرف على شراء كتبها بنفسه، وهو ما أضفى على مكتبة الحياة قيمة علمية وثقافية كبيرة، كما كان يحاسبنا محاسبة شديدة على الأخطاء النحوية واللغوية أثناء امتحاناتنا في هذه المادة، وكان لا يتسامح إطلاقًا، فكلُّ خطأ بنقطة، فإن كانت الأخطاء عشرًا جاءت الحصيلة صفرًا.
تلك هي أهم خصائص الأستاذ المربي القدير الأب الروحي الشيخ عدُّون (رحمه الله) ولا أحسبني أتيت عليها أو فيها بالشمول والتفصيل، وحسبي أن أقول بكل تواضع، لقد خبرت أستاذي الشيخ عدُّون وأنا طالب بمعهد الحياة ست سنوات، واقتربت منه أكثر وأنا أستاذٌ به خمسًا أخرى، فما عرفت منه طوال هذه المدَّة إلاَّ أنه المشجِّع الأقوى لكل المبادرات الساعية إلى الرفع من مستوى المعهد، ماديًّا ومعنويًّا، مناهج وبرامج، لا يتحجَّر على طريقة تقليدية متبعة، ولا يجمد على مقرر معيَّن، ولا يتصلَّب لرأيه ونظريته، بل كان يشجع بكل حماسة كل المبادرات الرصينة التي يتقدم بها الطلاب والأساتذة، واقفا أبدًا إلى صفِّ المجدِّدين ضدَّ كلِّ متعنت معاند، عاملا دومًا بالمثل القائل: «دع الزهور تتفتح»، ولكنه بقدر تفتحه ذاك على التطور والمعاصرة بقدر ثباته أمام كل ما يُشتمُّ منه ريح المساس بالمقومات الإسلامية الأصيلة، لغةً ودينًا، رافضًا كلَّ فتنة تؤدي إلى تمزيق وحدة الصف الوطني، يصحبه دومًا إيمان قوي بالقيم والثوابت، ورأس شامخ أمام العواصف السياسية التي كثيرًا ما هبَّت من هنا وهناك.
وبهذه الخصال العالية، وبهذه النفس المسلمة الكريمة، نجح في تخريج آلاف الطلبة في مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم، وبثَّهم في نواحي القطر الجزائري، بل والعالم الإسلامي، يبلِّغون الأمانة، ويجاهدون في سبيل الدعوة إلى الله على بصيرة.
وقد سلَّم الأمانة كاملة إلى أبنائه الشباب ليتحمَّلوا المسؤولية من بعده، ويرفعوا الراية خفَّاقة في مسيرته، وتلك أمانة ثقيلة تلقى اليوم على عاتق المعهد الجديد في مشروعه الجديد (بحول الله)، فهل يعيها المسؤولون إدارة أساتذة، ويقدروها حقَّ قدرها، ذلك هذا السؤال الذي لا يجيب عنه إلاَّ المخلصون الأوفياء، الصابرون الأمناء، بأعمالهم العلمية والثقافية والسلوكية في الميدان، وليست كلُّها في الهياكل والجدران، والتعالي في البنيان.
نسأل الله التوفيق والسداد للخلف الصالحين، والرحمة والرضوان للسلف المرحومين.
--------------------
الهوامش
1 - ملحق السير، ج3، مخطوط، 445.
2 - يمكن الرجوع إلى بعض رسائله إلى الشيخ أبي اليقظان؛ حيث يذكر فيها أنه لا يملك حقَّ طابع البريد، وإنَّما استعاره من أحد أصدقائه. انظر مجلَّة الحياة، نشر جمعية التراث، العدد 9، نوفمبر 2005، ص: 141.
3 - الرسالة مؤرخة بـ أكتوبر 1983 في حوزة الباحث.
4 - لست بحاجة لذكر أمثلة حتى لا نُحرج من لا يزالون أحياء.
5 - يراجع، الباحث: من رسائل الشيخ عدون إلى الشيخ أبي اليقظان، مجلَّة الحياة، العدد9، (مصدر سابق)، ص: 122.
6 - يراجع مجلة الحياة، (مرجع سابق)، ص: 129.