الشيخ عدون الأستاذ المربي
الجزء ١ · صفحة ١٤٠وجهه، يحبه الناس ولا يملُّون مجالسته، وغالبًا ما يكون هذا الشخص ميَّالاً إلى المداعبة والملاطفة مع معاشريه وجلسائه، يحبُّ النكتة ويطرب لها، ويضحك لها من أعماقه، كما يفعل الأطفال البريئون.
ذلك لأنَّ هذا الشخص عادة لا يضيق قلبه بالحسد والظن السيئ، إذا علم الله من مؤمن صفاء الطوية ألقى محبته في القلوب فأنست لمعاشرته ومالت إلى مجالسته.
وما كان شيخنا في هذا إلاَّ مقتديا برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تروي عنه كتب الحديث والسيرة أنَّه كان يمازح الصحابة، ويبسم للطرفة، ولا يقول إلاَّ حقًّا.
ثامنًا: حب القراءة والتفتح على الآخر:
لم أر فيمن عرفت من المشايخ أستاذًا محبًّا للكتاب مدمنا على القراءة بعد ـ الشيخ محمد علي دبوز ـ مثل الشيخ عدُّون؛ فقد كان له غرام بالمطالعة شديدًا، كنَّا لا نراه خارج حصص التدريس إلاَّ منكبَّا على كتاب أو مجلَّة، وحرصه هذا كان خصيصة من خصائصه، وحصة مقدَّسة في برنامجه اليومي لا يصدُّها عنه إلاَّ ضرورة قصوى، وظلَّ مداومًا عليها طوال حياته المباركة، ونلحظ في مراسلاته للشيخ أبي اليقظان كيف كان حريصًا على أن يطلب منه أن يرسل إليه الجديد الصادر من المشرق كتبًا ومجلات ودوريات، ويعتبر نفسه بحكم وجوده الأغلب في القرارة محرومًا من هذه النعمة التي يسمِّيها «تُحَف المشرق» (6).
وقد أدركنا نحن الطلبة هذا الحرص منه، إذ كان يسأل دوما عن الجديد في عالم الفكر والثقافة كلما عاد أحدنا من سفر، وكان يبتهج أيما ابتهاج حين تكون الهدية المقدمة إليه كتابًا جديدًا أو مجلَّة ذات قيمة علمية.
وأتذكر كلَّما زرته بعد سفر كان أول سؤال يبادرني به: «ما الجديد من تأليفك؟»، بل ويسألني أحيانًا عمَّا أنوي التأليف فيه، حبًّا منه للاستزادة المعرفية، وتشجيعًا على متابعة التأليف والبحث، وأشهد أن ذلك منه كان لي زادًا معنويا ونفسيًّا كبيرًا. إنَّ حرصه على متابعة ما يجِدُّ في عالم الفكر والثقافة يدفعنا إلى ذكر حقيقة قد يجهلها الكثير وهو ما يتميز به شيخنا من تفتُّح على كلِّ جديد مفيد، وكرهه للتحجر والتزمُّت، لقد كان يملك من الخصال ما ساعده على السير قدما بمعهد الحياة في طريق التطوير والتجديد، والمتتبع البصير يدرك بجلاء كيف كان الشيخ عدُّون يقف أبدًا وراء ذلك التطور المستمر بما يملكه من ذهنية متفتحة، ونفس مرنة، ورغبة ملحاح في أن يكون المعهد أبدًا في مصاف الثانويات الناجحة التربوية تثقيفًا، لا على مستوى القطر وحسب، بل على صعيد العالم الإسلامي، لِيؤدي رسالته المنوطة به.
وهو على الرغم من تقدُّمه في السن ظلَّ محافظًا على تلك العادة الشريفة، وكأنَّ الله حين علِم منه صدق النية وثبات العزيمة حباه نظرًا قويًّا وبصرًا حديدًا يساعدانه على القراءة والمطالعة بدون نظَّارة وقد تجاوز المائة من عمره، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء!.