الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي (الشيخ عدُّون) في الخالدين
الجزء ١ · صفحة ١٥٩ويتساءل السائلون: من هو الشيخ عدُّون؟ وماذا يقول عنه الواصفون والعارفون؟ وما موقعه بين مقامات أعلام التاريخ؟ ممن صنعوا أمجاد الدول، وبنوا شوامخ القلاع، أو فتحوا الأقطار، وسحروا الأنظار، وعرفتهم ساحات النجوم في دنيا المال والفن والسياسة. واحتضنت أسماءَهم موسوعاتُ الأعلام، وتزينت بها صفحات الجرائد وشاشات الإعلام؟
لا شيء من هذا كان، إلا نزرا يسيرا لا يعدو تعريفا في جريدة محلية أو وطنية، وحفلة تكريم ووفاء إخوانية، بعيدا عن الأضواء الساطعة، وصخب الإثارة الإعلامية الصارخة.
فمن هو الشيخ عدُّون؟ وأي رجل يكون؟ وهل يستحق أن يحج لجنازته المشيعون؟ ويذكره بين الزعماء الذاكرون؟ أو يكون له لسان صدق في الآخرين؟
أما عن مسيرة الشيخ عدُّون، ومنطلقه، فقد نشأ في وادي ميزاب بالقطر الجزائري، حيث كان مولده بمدينة القرارة التي تبعد مسافة 630 كلم جنوب الجزائر العاصمة، رأى بها نور الحياة سنة 1319 هـ/ الموافق لـ 1902 ميلادية.
عرف الفقر والعوز في خطوات حياته الأولى، ففقد والده في بواكير العمر، وكشرت له الأيام عن أنيابها، حين لم يخلف الوالد الراحل ما يرثه الأبناء من متاع الحياة، إلا زادا من التنشئة على الفضيلة والاستمساك بأهداب الدين، وديونا بذمة الأب عاجله الموت دون قضائها، فكانت تركته مغارم لا مغانم، تحمّلها الابن سعيد عن رضى بقضاء الله في اجتماع ألَمِ اليُتْم وهَمِّ الدَّيْن، وما كان أمامه من خيار إلا أن يسافر مغتربا إلى مدينة سَرْيَانة وهو صبي دون العاشرة من عمره، فعمل أجيرا لسداد دين أبيه، وقضى بتلك القرية النائية في جبال الأوراس ذات الشتاء القارس والثلوج بضع سنين.
ولكن شغفه بالعلم كان قد ملك عليه أقطار نفسه، ورأى نفسه ثمرةً اختُضِرت قبل تمام نضجها، وازداد لهفه للعودة إلى منابع العلم ليشفي غليله، وظل يتحين الفرص بالانكباب على ما يجده في محيطه من قصاصات أوراق فيها بعض الكتابة، فيقرؤها ويسلّي نفسه بها.
وظلت نفسه الطماحة طُلَعَةً إلى العلم تهتبل منه فرصا نادرة، ولحظات سانحة، حتى بلغ سن الثامنة عشرة فرجع إلى بلدته الأم، وانضم إلى طلبة العلم في حلقة شيخ المدينة الصالح الحاج عمر بن يحيى المليكي، رحمه الله.
وكان قد برز نجم إبراهيم بيوض في حلقة هذا الشيخ، فتآلفت روح الطالب الجديد مع الطالب القديم، وكانت نقطة انطلاق مسيرة حافلة مباركة تركت أثرها في ميزاب والجزائر وفي مواطن شتى من العالم الإسلامي.
وحين توفي شيخ الحلقة الحاج عمر بن يحيى كانت مؤهلات الشيخ بيوض القيادية قد اختارته زعيما للحركة العلمية ثم النهضة الإصلاحية في القرارة، وفي جنوب الجزائر، وقضى في هذا الجهاد ستين سنة كاملة من عام 1921م إلى وفاته سنة 1981م.
كان الشيخ عدُّون طيلة هذه الفترة الحافلة وزير صدق للشيخ إبراهيم بيوض في جهاده الإصلاحي