مجلة الحياة، العدد 10 (مبوبة) مجلة الحياة

الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي (الشيخ عدُّون) في الخالدين

الجزء ١ · صفحة ١٦٠

ومشاريعه العلمية والتربوية. لم يتخل عنه يوما، ولم يتوان عن نصرته ساعةً، حتى لحق الشيخ بيوض بربه قريرا مطمئن البال، فخلفه في ريادة الحركة الإصلاحية، ومضى بالسفينة رُبَّانًا لها على امتداد ربع قرن من الزمان، إلى أن فاضت روحه إلى بارئها، ولحق بالرعيل الأول من رجال العلم السابقين، الذين كانوا معه فريقا متلاحما متضامنا، عاهدوا الله على نصرة الدين وتنوير الأمة، وإخراجها من ظلمات الجهل، وإنقاذها من براثن الاستعمار، فتحقق للجزائر النصر والاستقلال، ونعمت بظلال الأمن والازدهار، ثم شاءت الأقدار أن يودع الشيخ عدُّون الجزائر وهي في غمرة احتفالات الذكرى الخمسين لاندلاع ثورة التحرير الكبرى.

تاريخ حافل أَرْبىَ على قرن من الزمان، ومسار زاخر بجلائل الأعمال، قطعه الشيخ الراحل بعزيمة وإيمان، وصبر ويقين، لم يحِدْ عنه قيدَ أنملة، على تقلب الأحوال، واشتداد وطأة المستعمرين، وأعوانهم الطامحين، وأذنابهم الطامعين، وبرغم اشتداد الفتن، وتنكر عشاق التسلق في غفلة من الزمن، وقَلْبِ بعضِ اللئام ظهر المجن، فقد ظل وفيّا صامدا، لم تزعزعه الأعاصير، ولم تفتّ من عزمه حُبليات الليالي وطوارق الأيام.

أجل؛ كانت بداية المشوار من حلقة العلم مع رفاقه تلاميذ الشيخ الحاج عمر بن يحي، ثم تطور نشاطه فكان العضو الرئيس في تأسيس «مدرسة الشباب» بزعامة الشيخ بيوض، سنة 1921 إثر وفاة شيخهما المليكي، وكانت مدرسة حديثة تعلم النشء علوم الشريعة واللغة العربية وفق المناهج العصرية، تطورت بعد فترة من الزمن لتأخذ اسم «معهد الحياة».

معهد الحياة:

يعرف الناس في وادي ميزاب أن معهد الحياة هو الشيخ عدُّون، وأن الشيخ عدُّون هو معهد الحياة. تلازَمَا تلازُمَ الظل والإنسان، وما ذكر أحدهما إلا ورد الآخر على اللسان.

كان معهد الحياة أملَ الشيخ الأوحد، وهمّهُ المقيم المقعد، فهو عصارة عمره، وروح رسالته منذ نشأته إلى يوم وفاته.

في رحاب معهد الحياة تولى الشيخ عدُّون تدريس قواعد اللغة العربية وظل أستاذا لها ما يربو على خمسين سنة، كما أسند الإمام الشيخ بيوض إليه أمور تسيير المعهد منذ الأيام الأولى إذ شغلت الإمامَ قضايا الأمة العامة، فكان الشيخ عدُّون المديرَ الفعلي، والشيخ بيوض المدير الشرفي.

أجل لقد كان الشيخ عدُّون رجل الميدان وأساس البنيان، وإن لم يبدُ للعيان، وكان للشيخ بيوض وزيرَ صدق في ميادين الجهاد والكفاح، وكم مرةٍ صرح فيها أنه لولا الشيخ عدُّون لما حسم أمورا مصيرية عديدة في مسيرة الإصلاح الحافلة.

لكن هذا الوزير آثر البقاء في الظل، موقنا أن السفينة لا تحتمل إلا قائدا واحدا يزجيها، وإلا غرقت بمن فيها وما فيها. وكم من زعامات قامت بينها نزاعات بسبب شهوة السلطة وحب الرئاسة،

١٦٠ / ٢٢١