مجلة الحياة، العدد 10 (مبوبة) مجلة الحياة

الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي (الشيخ عدُّون) في الخالدين

الجزء ١ · صفحة ١٦٦

وإدراكًا منه بما يحسه غريب الأهل من وحشة الغربة والشوق إلى الديار، بذل جهده ليعوض هؤلاء التلاميذ الوافدين ما يأنسون به، بل يجدون أنفسهم بين أهلهم وذويهم. وكان رحمه الله يكلؤهم بعناية خاصة، ويؤثرهم بجلسات متميزة، فملك عليهم قلوبهم وكان لهم رائدا في معترك الحياة، ومثالا ظلوا يشرئبون للسمو إلى مقامه السامق، جدّا وتحصيلا، وتواضعا وإخلاصا، فعمّ فيض هذه القدوة على أوطانهم، وسعدت الأمة بخيرهم، ونسبت للوالد المربي الشيخ عدُّون، سبب هذا الفضل المبين. وكلهم يلهجون بالثناء عليه قائلين: لولا أيام تلمذتنا بالقرارة ما بنينا لأمتنا هذه الحصون، من جمعيات ومؤسسات، ومدارس ومعاهد للبنين والبنات، فبفضل القرارة كنا شيئا مذكورا، وبفضل الله كان سعينا مشكورا.

وواصل الشيخ اهتمامه بتطوير المعهد ودار البعثات، على امتداد السنين، حتى دعت الحاجة لبناء جديد يسع أعداد الطلبة الوافدين، من أبناء المسلمين، وانطلق المشروع العملاق ثابت الخطى، وشاءت الأقدار أن يزوره قبل وفاته بيومين، ويسرّ باستمرار المشروع واطراده، ومات وكله أمل أن يكتمل ولو لم يشهده بجسده، فروحه ترعاه من شرفات عليين.

موقفه من تعليم المرأة:

ظلَّت قضية تعليم المرأة تثير جدلا بين سدنة القديم وأنصار التجديد في العالم العربي، وأسالت من حبر الكاتبين أنهارا، وتوزع الفريقين سبيلان، اشتطّا بين متزمت متحجر وبين مندفع متحرر، فمنهم من رآها نسخة طبق الأصل للرجل إلا فوارق لا تغير من جوهر التطابق بينهما، مرددا دعوات غربية، أملتها أفكار شيطانية، فأطلق للمرأة العنان في كل ميدان، وتركها نهبا للثيران، وفريق آخر رآها فتنة مكنونة، واتخذها أمَة أمينة، أو متاعا للزينة، وحظر تعليمها خوفا عليها ومنها، وإلا أفلتت من الزمام، وشقيت بها الأنام. فتركها فريسة للجهل وصيدا للشيطان، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم.

وضاعت بين النقيضين أجيال، واصطرعت لأجلها الرجال، وقال الشيخ عدُّون فصل المقال، فرفض تجهيل المرأة خوفا من انحرافها، وتبنى تطبيق أمر الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته "طلب العلم فريضة على كل مسلم"، وأخذ بتفسير الراسخين من العلماء، أن خطاب التكليف يستوي فيه الرجال والنساء، وأمْرُ الله بالقراءة في قوله «اقرأ»، ليس خاصا برسوله، بل يعم أمته جمعاء.

ورغم معارضة فريق عريض من الناس لفكرة الشيخ عدُّون، ومنهم بعض رجال الإصلاح، إلا أنه أصرّ على رأيه، واقتنع أنه صواب ورشاد، وبدأ التطبيق منفردا بإدراج بنته في المدرسة، ولم يأبه بقوة المعارضة، ثم استبان للناس رشد ما فعل، فاقتدوا به وعمرت المدارس بالبنين والبنات، وحمد الناس غب سراهم بعد قرون الجهل الحالكات.

وفي وادي ميزاب اليوم مدارس عصرية نموذجية لتعليم البنت بأفضل المناهج، في محيط نقي كله طهر وعفاف، فيه تلقن البنت كل ما ينفعها من علوم الشريعة وعلوم العربية، وما يعضدها من

١٦٦ / ٢٢١