مجلة الحياة، العدد 10 (مبوبة) مجلة الحياة

الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي (الشيخ عدُّون) في الخالدين

الجزء ١ · صفحة ١٧٢

داكن السحاب الكئيب، بل يشيع فيه جو الأنس وتنطلق من أسارير وجهه بشائر الابتهاج والحبور، فتتفتح له القلوب، وتأنس إليه النفوس، وما زاده وقار المشيب إلا خفة روح تأسر الحاضرين، فيودّون أن لو امتد لقاؤه عدد سنين.

حقًّا، لقد كانت مجالسه باقةً أدبية زاهية الألوان، زكية الشذى، يمازج فيها الجلالَ جمالُ الأدب، وتقترن الحكمة والنصيحة بالابتسامة الوديعة، تراه يتصيد المُلحة ويطرب لها، وينتشي للدعابة البريئة انتعاش الزهر في الروض النضير، إذا سقاه السحاب أو جرى في عروقه ماء الغدير.

بَرَكة العمر والولد:

منح الله الشيخ عدُّون بركة العمر والبدن، فكان نسيجا فريدا عجز الطب في استكناه أسراره، إذ جاوز القرن من الزمان، وما هدّت السنون من تماسكه وسلامته، إلا في شهوره الأخيرة، وقد أجريت له عملية جراحية في رأسه في سنواته الأخيرة، وتعجب الأطباء كيف سلم له مخه، وحفظ من التلف وقد كان يشكو ضغطا لا يتحمله الإنسان العادي في مقتبل العمر.

أجل، لقد خرق الشيخ عدُّون كل قوانين الصحة ومحظورات الشيخوخة، وكانت صحته مثار دهشة الأطباء، لا يعرف تحرزا من ماء مثلج، ولا وليمة دسمة، ولا شراب معسول، والدسوم والسكريات قاصمة الصحة في نظر الأطباء، وخبراء العلل، وكأنّه سبر أغوار العلة في قواعد اللغة العربية، وقد قضى في تدريسها سنوات عمره الذهبية، فنفعته لقاحًا واقيا للصحة البدنية، وقد يكون ذلك بعض جزاء الله العاجل في هذه الدار. ولله في خلقه شؤون، وأي شؤون!

وإن تعجب فعجب من طول نفَسه في الجلسات الطويلة، تستمر طول النهار ويمكث فيها على هيئة واحدة من مفتتح الجلسة إلى نهاية اللقاء، بينما ترى بعض الحضور من الكبار، بل ومن الصغار، في تململ من طول الاصطبار، حتى يصرّح مغلوبهم بالاعتذار لقضاء حاجة أو استراحة، والشيخ يخرس بهيئته الجميع، ويجيبهم بحجة صامتة هي أبلغ من أي كلام بديع.

وتلك بعض معاني البركة في الصحة والعمر، كما ناله منها نصيب في المال والولد.

وأفاض الله عليه من متاع الحياة ما قضى به شطرا من دهره ميسورا، وكان مثال الأب الحاني على أبنائه من الصُّلب، كما كان مع أبنائه من الروح، وتَمثَّلَ في بساطته وحدبه على أهل بيته، وبذله قصارى جهده ليسعدهم، رغم توزع جهوده في مهام المجتمع المتكاثرة، فكلل الله سعادته بذرية طيبة، كانوا رجالا لامعين في شتى ميادين الحياة، أحدهم أستاذ جامعي قدير، قضى العمر في تفسير كلام العليم الخبير، وآخر طبيب ماهر خبير، نذر طبه لنفع الأرملة والفقير، وثالثهم خطاط بارع كتب المصحف الشريف ثلاث مرات، صار معتمد العالم الإسلامي في قراءة ورش بين القراءات، وخاتمة العنقود معلم رابط في البلد وظل لوالده سندا، ولنهجه في بناء الأجيال مددًا.

الإخلاص ثم الإخلاص:

كان الشيخ عدُّون إخلاصا يمشي على قدمين، وقد لخَّص تجربته في الحياة في كلمتين نصح بهما

١٧٢ / ٢٢١