مجلة الحياة، العدد 10 (مبوبة) مجلة الحياة

الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي (الشيخ عدُّون) في الخالدين

الجزء ١ · صفحة ١٧٣

الشباب قائلا:

بعد طول عمر بلغ مئة من السنوات

*ـ ما رأيت مشروعا قام على الإخلاص وعاقت دون تمامه العقبات.

*ـ وما رأيت أحدا أعطى درهما لله ولم يخلف الله عليه بالنماء والبركات.

ومن نظراته السديدة ونصائحه التي يزود بها الشباب؛ ضرورة ثقة الفرد بنفسه، وبالله أولا، وإخلاص القصد له دائما، والتزود بالصبر لبلوغ الغايات وتحقيق النجاح، ودون ذلك ستذهب جهوده أدراج الرياح، ولن يكون له دور فعال في التغيير والإصلاح.

إنكار التكريم:

ويأبى تواضع الشيخ إلا التنكر للذات، ونسبة الفضل لغيره، واستصغار ما بذل، واعتبار جهاده طيلة قرن من الزمان مجرد قطرة في محيط جهود العاملين، ونكرة في قاموس أعلام الإسلام السامقين.

وقد رغب منه أبناؤه إقامة حفل تكريم له احتفاء بجهوده في خدمة العلم والصالح العام، فأبى ذلك، وأصر على رفض الفكرة، ولكنه غلب على أمره تحت إلحاح أبنائه، الذين كانوا قد أعدّوا كل الترتيبات، فرضخ للأمر الواقع، وقَبل به على مضض، والدموع تنهمر من عينيه خشية أن تذهب تضحياته هباء. وكان ذلك يوم 14 فبراير من عام 2003م.

كما حظي بتقدير جميع فئات الشعب الجزائري من رئاسة الجمهورية ووزراء الدولة إلى مختلف السلطات الرسمية، واتفق الكل على توقيره وتقديره، والاعتراف بفضله وسابقته.

ثم حملته قلوب علماء الجزائر فاختاروه رئيسا شرفيا لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، اعترافا بفضله وأياديه، وقد كان من مناصري الجمعية والداعين لمباركة جهودها لإيقاظ الشعب الجزائري من ظلمات الجهل، والسعي لتحريرها من نير الاستعمار قبل سبعين سنت خلت، فكافأته حين وضعته تاجا على مفرقها، جزاء وفاقا.

مسيرة قرن وخمس سنين، حفلت بآلاف وآلاف، من حلقات علم تقام، ومجالس فكر وذكر تنصب، وجلسات صلح تعقد، وتتواصل أحيانا ليالي وأياما عديدة، ويمتد السهر فيها إلى منتصف الليل أو يزيد. كانت سعيا دؤوبا لصالح الأمة والدين في مختلف المناسبات والميادين، لا انتظارا لشكر ولا ثناء، ولا نيشان ولا شهادة، إلا رضوان الله وفردوسه الموعود.

وبلغ به الجهد أشده وانهارت قواه البدنية، بيد أنه ظل محتفظا بكامل قواه العقلية رغم إجراء عملية جراحية في رأسه قبل بضع سنين إثر حادث سيارة أليم، ظل نجاح العملية لغزا بمقاييس علم الأطباء، وحفظ الله له وعيه وقلبه وبصيرته، ثم كانت له لقاءات وداع لأبنائه وبناته في مختلف المؤسسات في أواخر أيامه في هذه الحياة، أوصاهم فيها بالتمسك بأهداب الدين، والحفاظ على الوحدة، والاستمساك بالإخلاص والصبر والتضحية، حتى ينالوا رضوان الله رب العالمين.

ومضت تلك السنون في صمت عجيب، قضاها الشيخ عدُّون يصنع مجد الخلود حتى أتاه اليقين، فمضى إلى ربه في شهر القرآن المشهود، مستبشرا بإذن الله بجزائه الموعود، ليلقى الأحبة محمدا وصحبه.

أجل، لقد مضى الشيخ عدُّون إلى وعدٍ طالما تمناه، وقضى العمرَ يعمل له، فما تأفف ولا توانى، ولا تقهقر ولا تنكر، وصدق ما عاهد عليه ربه، وما زادته السنون والأسقام إلا يقينا ومضاء، ودعا ربه وما خاب من أخلص لربه الدعاء …

﴿يَآ أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (الفجر: 27 - 30).

١٧٣ / ٢٢١