مجلة الحياة، العدد 10 (مبوبة) مجلة الحياة

الشيخ عدون معدن التجديد والتطوير

الجزء ١ · صفحة ١٧٥

يكفي أنّه كان العضد الأيمن للشّيخ بيّوض في كامل مراحل جهاده وكفاحه ونضاله … وأنّ الشّيخ أعطى فيه الثّقة، بعد أن قال عنه: "إنّ الشّيخ عدّون إخلاص يمشي على رجلين " فسلّم له مقاليد كثير من الأمور بعد أن كثرت أعماله، واتّسع نطاق نشاطه، وحين دخل معترك السّياسة في الأربعينيّات. وبخاصّة إدارة معهد الحياة، وشؤون التّعليم بعامّة.

يكفي أنّه المسجّل والحافظ الدّقيق الأمين لمسيرة الشّيخ بيّوض الدّعوية والإصلاحية، فقد كان يرافقه في أغلب أسفاره، ويشاركه في معظم أعماله، وكان يرصد نشاطه، ويسجّل ما دقّ وما كبر وما صغر من هذه الأعمال. لقد كان المصدر الوحيد لكثير من الخطب التي كان يلقيها الشّيخ بيّوض في المناسبات المختلفة - وما أكثرها - إنّ الشّيخ بيّوض كان يرتجل خطبه، والشّيخ عدّون يتابعه بدقّة، ويسجّل كلّ ما يتفوّه به بسرعة فائقة، وبمهارة الصّحفي المحترف المسؤول، الذي يرى نفسه مَعْنِيًّا بنقل الواقعات ورواية ما يُنْطَقُ به بأمانة ودقّة. فمعظم خطب الشّيخ بيّوض التي أثبتها أستاذنا المرحوم الشّيخ محمد علي دبوز في كتبه، كانت من تسجيل الشّيخ عدّون بخطّ يده.

إنّ الشّيخ عدّون كان يحمل لواء التّجديد والتّطوير والتّغيير، ويرفع شعار المضيّ بالمسيرة نحو الأحسن، ويسير في العمل بالأفضل من الوسائل، ويختار للنّشاط الأنجع من السّبل. يأخذ بأيدي الشّباب، ويشجع المبادرات الهادفة، ويفسح المجال للمحاولات الجادّة، ويفتح قلبه للنّوايا الطّيّبة، ويبعث الثّقة في أبنائه، ويزرع فيهم المودّة والعطف، ويتلقّاهم بروح الأبوّة الرّحيمة الشّفوقة على البنوّة الضّعيفة الوديعة.

دليل ذلك إسهامه الكبير في تأسيس معهد الشّباب (معهد الحياة) فقد حصل ذلك نتيجة ملازمته أستاذه الشّيخ بيّوض، ومطالبته بالتّجديد في أساليب التّعليم، بعد أن ضاق ذرعا بالطّرق العقيمة المتّبعة في التّدريس في المعهد الذي كان يتعلّم فيه مع بقيّة زملائه، وبخاصّة وقد آنس من جانب شيخه القدرة على التّطوير، لكنّه كان يتلكّأ لدواع وأسباب، لم تقنع الفتى الطّموح، ولم تكبح رغبة النَّهِم الجموح. فطالبه بكلّ إلحاح، وصل إلى حدّ التّلويح بالانفراد بالمبادرة، التي قد يندم الشّيخ بيّوض بعدها على عدم الاستجابة للمطلب الشّرعي والطّبيعي للطّالب الألمعي والفتى اللّوذعي. فقام الشّيخ فلبّى رغبة تلميذه، فأسّس المعهد في شوّال 1343هـ/ ماي 1925م.

ويقف شاهدا على ما أشرنا إليه ترؤسّه لجمعيات الشّباب، التي كانت تضمّ طلبة معهد الشّباب في جلسات أسبوعيّة، يلتقون فيها للتّباري والتّدريب على الخطابة والنّقد وقرض الشّعر، والمناظرات الأدبيّة والعلميّة … فكان يترأسّ ويوجّه ويصوّب وينقد ويشجّع … كما كان يتولّى رئاسة تحرير جريدة الشّباب المخصّصة لنشر المقالات والقصائد الشّعريّة والفصول النّقديّة والمسرحيّات والقصص والمناظرات الأدبيّة والعلميّة … وقد كان دور الشّيخ بارزا في توجيه الطّلبة، والأخذ بأيديهم نحو التّكوّن. وقد تخرّج في هذه الجريدة أدبيّا مجموعة من الأدباء الذين أصبحوا أعلاما متميّزة في سماء الأدب، وأقلاما بارزة في فضاء الكتابة. أمثال الأدباء والمشايخ: عليّ يحيى معمر،

١٧٥ / ٢٢١