الرسائل الجامعية ملخص أطروحة دكتوراه د/ صالح بن عبد الله أبو بكر:
الجزء ١ · صفحة ١٩٧والنقاش والتسامح أو التنازل أو حتى الاعتراف بوجودها، فترصد لذلك أجهزة الأمن والمخابرات والجيوش والأسلحة والإجراءات الصارمة والشديدة أبشع مما تواجه به أعداءها الخارجيين، وهكذا تستمر الأزمة لعقود عديدة، إلى أن تتدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية فينتج عنها:
1 ـ استمرار الأزمة بين السلطة والمعارضة عدة سنوات، مما يعرقل التنمية والتطور في جميع المجالات.
2 ـ اختراق المعارضة من قبل العصابات والمجرمين، فتتشوَّه مطالبها السياسية التي كانت مشروعة.
3 ـ قد تتعاطف مع المعارضة قوى أجنبية مغرضة، للتدخل في الشؤون الداخلية.
4 ـ تدخل المنظمات والهيئات الدولية، باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الأقليات.
5 ـ تبعا لمنظمات حقوق الإنسان قد تساندها المنظمات والهيئات السياسية والمالية والاقتصادية الدولية.
6 ـ تسيطر السلطة الحاكمة على الجيش والإعلام فتوجه الرأي العام وتكيف جرائم المعارضة تكييفا يخدم موقفها.
أمام هذا الموقف المتصلب، تجد السلطة نفسها في مأزق سياسي وقانوني، فتبحث عن المبررات للخروج من الأزمة التي طالت وأتت على الأخضر واليابس، وفي النهاية وبعد عدة عقود من الخراب والدمار، والخسائر التي يصعب عدها في الأرواح والأموال، وبعد تغير أو تغيير رجال السلطة، وأنظمة الحكم، يضطر هؤلاء الحكام الجدد أو القدامى، إلى الاعتراف بحقوق المعارضة السياسية، وتبدأ التنازلات بالمفاوضات السرية، وعبر الوساطات، فتصل إلى تدابير المصالحة، والعفو الشامل، وهكذا تضطر السلطة إلى أن تعامل المعارضة معاملة أخف وأرحم، من قوانين العقوبات العادية، معترفة في النهاية أن الإجرام السياسي يختلف عن الإجرام العادي.
وإذا كانت الدول المتقدمة التي عانت من الإجرام السياسي قديما، وتعاملت معه بقسوة وشدة قد تداركت هذا الخلل السياسي والقانوني منذ النهضة الأوربية، وخصوصا بعد الثورة الفرنسية، حيث اضطر المشرِّع الأوروبي أمام كثرة الثورات، وبفضل جهود الفلاسفة والمفكرين، فاعترف بوجود الجريمة السياسية، التي تختلف عن الجريمة العادية، فوضع لها نصوصا خاصة وعقوبات متميزة، معتبرًا أنَّ المجرم السياسي رجل نبيل، وفاضل ذو أخلاق ومبادئ يناضل من أجلها ويضحي بمصلحته الخاصة من أجل مصلحة وطنه وشعبه، حتى وإن أخطأ في الوسائل وأحرق المراحل، واستعجل النتائج، فالمجرم السياسي قد يصبح حاكما في المستقبل، ولعل أغلب المصلحين والمجددين والزعماء والقادة في العالم كانوا مجرمين سياسيين، في نظر الحكم القائم في عهدهم.
فإذا كانت الدول الأوروبية قد خرجت من هذه المعضلة السياسية والقانونية بتعديل دساتيرها وقوانينها الوضعية، فما هو موقف الشريعة الإسلامية من الإجرام السياسي؟ وما هي آراء الفقهاء