مجلة الحياة، العدد 10 (مبوبة) مجلة الحياة

الرسائل الجامعية ملخص أطروحة دكتوراه د/ صالح بن عبد الله أبو بكر:

الجزء ١ · صفحة ١٩٨

المسلمين في المجرمين السياسيين؟ وكيف تعامل الحكام المسلمون مع المعارضة السياسية العنيفة؟ وهل يميز الفقه الإسلامي بين الجريمة السياسية والجريمة العادية؟

رجعتُ إلى كتب الفقه الإسلامي فاطَّلعت على أبواب البغي والبغاة فوجدت فيها بحوثا مستفيضة لأحكام جرائم البغاة انطلاقا من قوله تعالى ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُومِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتِ اِحْدَاهُمَا عَلَى الاُخْرَى فَقَاتِلُوا التِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ اِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُومِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (1).

ومن تفسير هذه الآية، وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وأعمال الخلفاء الراشدين، وآراء الفقهاء واجتهاداتهم، تكونت ثروة فقهية ضخمة، في موضوع جريمة البغي، وشروطها، وضوابطها، وأحكامها، وتمييز البغاة عن غيرهم من المجرمين، كل هذا مبسوط في كتب الفقه بشكل يحق للمسلمين أن يعتزوا به أمام فقهاء العالم، ولكن هذه الثروة تحتاج إلى دراسة علمية أكاديمية مستفيدة من تجارب الإنسانية، وأحدث ما توصلت إليه القوانين المعاصرة في التعامل مع الإجرام السياسي.

أمام هذا التراث الإسلامي الكبير والثروة الفقهية الزاخرة، وهذا البعد التشريعي الذي سبقت به الشريعة الإسلامية القوانين الوضعية بثلاثة عشر قرنا؛ إذ لم تعترف القوانين الفرنسية بالجريمة السياسية إلا بعد الثورة الفرنسية، وجدت نفسي معتزًا و منبهرًا، من جهة، وحائرًا متحسرًا، من جهة أخرى، على مواقف الأنظمة السياسية العربية والإسلامية اليوم، فلا هي أخذت بالقوانين الوضعية، وما توصلت إليه من ديمقراطية وحرية الرأي، والمعارضة السياسية السلميَّة، التي تمنع الوصول إلى الإجرام السياسي، الذي وإن حصل فقد قنن المشرع تدابير وإجراءات لمحاكمة المجرم السياسي، محاكمة تليق بمقامه، كما أنَّ تلك الأنظمة لم ترجع إلى الشريعة الإسلامية التي اعترفت بالجريمة السياسية منذ نزول الوحي.

هذا هو الدافع القوي الذي جعلني أختار هذا الموضوع لجدته، وأهمية، فهو يفيد السلطة السياسية، كما يفيد المشرع والقاضي، وخاصة في هذه الظروف التي تعاني فيها أغلب الدول الإسلامية، من عنف المعارضة السياسية، وها هي السلطة الجزائرية مثلا تنتقل من التعامل الأمني الصارم إلى قانون الرحمة، ثم قانون الوئام المدني ثم إلى المصالحة الوطنية وهي تدعو اليوم إلى العفو الشامل.

وفي هذا البحث سنميز بين الجريمة السياسية، وكفاح الشعوب، وبين غيرها من الجرائم الوحشية والإرهابية، بضوابط وشروط، حتى نزيل الشبه والالتباس الحاصل لدى الكثير من السياسيين، مستخلصين ذلك من النصوص الشرعية وآراء الفقهاء ومن تاريخ الإجرام السياسي.

وتهدف هذه الدراسة إلى الإجابة عن الإشكاليات التالية وهي:

١٩٨ / ٢٢١