مجلة الحياة، العدد 10 (مبوبة) مجلة الحياة

الهجرة مفهوم وحقيقة

الجزء ١ · صفحة ٢٠٥

بالمهاجرين، وصفا غالبا عليهم دون سواهم، فكانوا موضع رضاه، وموطن توبته، وموئل محبته، ووارثي جنته ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالاِنجِيلِ وَالْقُرْءَانِ وَمَنَ اَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (سورة التوبة: 111) وقد يتعجب المرء حقا من المكانة الرفيعة بم استحقوها، ويتساءل عن المرتبة الشريفة كيف حققوها؟. ولكن لا عجب، فما ذاك بسر في كتاب مكنون، ولا بخبر في حرز مصون، فالأمر باد للعيان يراه من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ويدركه كلُّ إنسان دان نفسه واستعد ليوم الوعيد. فلا نلهثْ وراء سراب بحثا عن الأسباب، أو طلبا للجواب في غير آي ربك في مكنون الكتاب، فهي اصدق لهجة وأبلغ خطاب.

فاستمعوا إلى ربكم كيف يفصل القول، ويعدد الفضل فيقول: ﴿فَالذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ (سورة آل عمران: 195)؛ وقال في شأنهم: ﴿الذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمُ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَآئِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا اِنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (سورة التوبة: 20 - 22).

إنها الهجرة إذن من دار الكفر إلى أرض الله الواسعة حفاظا على دين المولى، وإيثارا للآخرة على زهرات الحياة الدنيا، فكان البر الرحيم جل في علاه وليا لهم ونصيرا. وإنه الإخراج من الديار جبرا، والطرد من الأوطان قسرا، فهذا رسول الله يقف على مشارف مكة يوم أخرجه قومه قائلا لمكة: «ما أطيبك من بلدة وأحبك إليَّ، ولولا أنَّ قومك أخرجوني ما سكنت غيرك». وقال في حجته وهو واقف على راحلته: «والله إنك لخير الأرض وأحب الأرض إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت». وإنه الاستيلاء على الأموال قهرا في واضحة النهار جهرا، فهذا صهيب الرومي رضي الله عنه لما أراد الهجرة قال له كفار قريش: أتيتنا صعلوكا حقيرا فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك، والله لا يكون ذلك، فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟ قالوا: نعم، قال: فإني جعلت لكم مالي. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ربح صهيب، ربح صهيب. وإنه الإيذاء بلغ أشنعه، والعذاب أدرك أبشعه، بما لا طاقة للبشر تحمله، ما نجا منهم أحد ولو رسول الله، فما زادهم إلا إيمانا وتسليما، فهذا بلال رضي الله عنه يخرجه سيده أمية بن خلف إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صلبه، ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى، فيقول وهو في ذلك البلاء: «أحد أحد».

٢٠٥ / ٢٢١