مجلة الحياة، العدد 10 (مبوبة) مجلة الحياة

الهجرة مفهوم وحقيقة

الجزء ١ · صفحة ٢٠٦

وإنه القتال في سبيل الله في بسالة وشهامة، طلبا للشهادة والكرامة، في غزوات متواليات، وفتوحات متتاليات، لم تعرف فتورا ولا خفة، بل هي تزداد مع مرور الأيام شراسة وضراوة، في شظف من العيش، وشدة من قلة ذات اليد، حتى قال قائلهم: إنَّ هما إلا الأسودان، والعدو قائم، والسيوف على أعتاقنا، فما زادوا على أن قالوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (سورة آل عمران: 173)، وإنه القتل في سبيل إعلاء كلمة الحق، والموت من أجل نصرة وعد الصدق، شهداء يسعون إلى الشهادة سعيا، ويستسيغون المنية ريا، ﴿فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (سورة آل عمران: 146) في بطولة نادرة، وشجاعة فاقرة، فهذا جعفر بن أبي طالب أحد قادة غزوة مؤتة، عقر فرسه ودخل المعركة فأخذ اللواء بيمينه فقُطعت، فأخذه بشماله فقُطعت، فاحتضنه بعَضُدَيه حتَّى قُتِل رضي الله عنه وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، بعد أن ضربه أحد رجال الروم فشطره نصفين. وإنه الإيثار في ملحمة المؤاخاة، والإنفاق في سبيل الموالاة، فهذا ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعدما جهز جيش العسرة بصُرَّة فيها ألف دينار فوضعها في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقلِّبها ويقول: «ما ضرَّ عثمان ما فعل بعد هذا اليوم» يردِّدها ثلاثا. وإنه وإنه مما لا يمكن عده ولا حصره، ولا جمعه ولا حشره، فقد صار في ذهن كل أحد معروفا، وفي قلب كل فرد موصوفا.

في ورع مشهود، وشرف محمود، ووقوف عند الحدود، امتثالا لأمر الرب المعبود، فأكرم بهم من قومٍ ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُومِنينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآَئِم ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُوتِيهِ مَنْ يَّشَآءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (سورة المائدة: 54). تلك ملحمة خالدة خلودَ الدهر، صنعها أولئك الصحب الأماثل، فحق لهم دون سواهم هذا الفضل الذي اكتسبوه قبل أن يُسَدَّ بابُه يوم أن ارتفع نداء بلال من فوق الكعبة مرددا «الله أكبر! الله أكبر!» في إجلال وخشوع، رددت صدى نَداه جبال مكة وشعابها في إذلال وخضوع، وإذا بالحبيب المصطفى يعلنها مدوية بأعلى صوته، ويطلقها مجلجلة وقد دالت دولته، وشمخت عزته، وخشعت الأصوات له فلا تسمع إلاَّ همسا، وقد نزلت عليه سورة النصر يوم الفتح قائلا: «الناس حيز وأنا وأصحابي حيز. ألا إنه لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية».

أيها الإخوة الأوفياء تلكم حقيقة الهجرة في ذلك الزمان الفذ، وذلك مفهومها في أولئك الذين تسلقوا ذرى المجد، فكان مَن بَعدَهم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه، فكيف حال المسلمين اليوم يا ترى وقد تغير مفهوم الهجرة وصار نوعا آخر مما يعم شأنه مهما اشتط المكان، ويستمر حاله مهما امتد الزمان، فلم تعد الهجرة في مفارقة الأهل والولدان، ولا في مباعدة الأموال والأوطان، وإن شاع هذا في هذا الزمان فكان كثير المسلمين يؤثرون ترك بلاد الإسلام

٢٠٦ / ٢٢١