مجلة الحياة، العدد 10 (مبوبة) مجلة الحياة

الهجرة مفهوم وحقيقة

الجزء ١ · صفحة ٢٠٩

في سباتهم يغُطُّون، وفي ضلالهم يعمهون، يأكلون من فتات أسيادهم، ويلبسون من نسيج غيرهم، ويحاربون بسلاح أعدائهم، فكانوا من الأراذل والمستضعفين، ومن بادي الرأي المستعبدين؟ …

ماذا عساي أن أحصي مما لا يمكن إحصاؤه من السيئات، وماذا عساي أن أعدد مما لا يمكن عده من أعمال السوء، مما كان لزاما على المسلمين أن يهاجروه، وهم على بينة من أمرهم حتى يكونوا من المهاجرين حقا، ولعمري لهذه هي أفضل طريقة للدفاع عن حرمة رسول الله الذي يتعرض للمهانة هذه الأيام، ولن يضروه شيئا، وأنجع وسيلة للذود عن حمى خيرة خلق الله يخشاها العدو المتربص على الدوام، فما تجرأ أعداء الله على العبث بقداسة رسول الإسلام، والاستهزاء بعزة خير الأنام إلا لأنهم يعلمون أن أكثر أتباعه اليوم من المسلمين هم ﴿كَمَثَلِ الذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ (سورة البقرة: 171)، فما أجمل هذه الهبة التي فاهت بها لهوات المسلمين تنديدا وإنكارا، ودانتها حكومات المسلمين مقاطعة واستنفارا، وإننا لنحيِّي من أعماق قلوبنا كل المواقف المعبرة التي قامت بها الشعوب والحكومات تجاه هذه الفعلة الشنعاء، التي تمخَّض بها أحفاد السامري كرها وجحدا، واستبضعها أولاد قلب الأسد بغضا وحقدا، غير أننا نعد الرد المبين على أعداء رسول الإسلام، لا يجليه فحسب مقاطعة بضائع الأفاك الكذوب، بل مقاطعة طبائع أتباع الصليب، والحب الثمين لخير الأنام لا يجسده مسيرات في الشوارع تجوب، بل في اتباع سنة النبيء الحبيب؛

أَتَعْصِي الإِلَهَ وَأنتَ تُظهِرُ حُبَّهُ.:.:. هَذا لَعَمْرِي فِي القِيَاسِ بَدِيعُ

لَو كَانَ حُبُّكَ صَادِقًا لأَطَعْتَهُ.:.:. إنَّ المُحِبَّ لِمَن يُحِبُّ مُطِيعُ

فهيهات هيهات أن يتحقق لهم هذا ما لم يوطدوا العلاقة بخالقهم، ويعاودوا ربط الصلة بربهم، ويعتصموا بحبله، ويستمسكوا بعروته، ﴿إِلاَّ الذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُومِنِينَ وَسَوْفَ يُوتِ اللَّهُ الْمُومِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (سورة النساء: 146). فما كان أسرع تحقيقَ النصر للأولين بعد هجرتهم، فما كادت تمر سنتان على ذلك حتى تحقق لهم أعظمُ نصر في تاريخ الإسلام يوم الفرقان يوم التقى الجمعان، في غزوة بدر الكبرى، ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمُ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (سورة آل عمران: 123). ألا إن نصر الله قريب يا مسلمون إن نحن هاجرنا. إنه لن يتحقق إلا على أساس السنَّة الإلهية القائمة على مبدإ التغيير، ومبدإ التغيير فقط؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (سورة الرعد: 11)، وأين هجرتنا من هجرتهم. فحقِّقُوا الشرط يحقَّق لكم الجزاء؛ ﴿يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتَ اَقْدَامَكُمْ﴾ (سورة محمد: 7) .... ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَّنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (سورة الحج: 40).

٢٠٩ / ٢٢١