من فقه المراسلة إلى فقه المواجهة
الجزء ١ · صفحة ٢٩"لقد كنت في فجر حياتي العملية أقوم بواجبي في المدرسة خير قيام، مواضبة على الوقت، ومحافظة على النظام، وحسن اعتناء بالدرس، ثمَّ أخرج إلى ميدان المسجد والسوق والعشيرة، والميادين العامَّة، والمشاكل الخاصة، فأفضُّ الخلافات، وأحلُّ المشاكل، وأصلح بين المتخاصمين، وأواسي كلَّ ذي حاجة، مدفوعًا بعاطفة حب الخير للناس، وعاطفة الشفقة والرحمة التي أحسُّ بها في نفسي قوية، قوية إلى أن لا أقول معها "لا" لمستغيث أو مستعين أو مستنجد في كلِّ ما أستطيعه، وكأني والله أقوم بهذه الأعمال بطريقة آلية مطَّردة الحركة، لا أشعر بكلفة ولا مشقَّة، وإنَّما عليَّ أن أعمل بياض يومي وسواد ليلي حتى آوي إلى فراشي وكفى، لا أسأل عن عملٍ أجرًا، ولم تخطر ببالي سيادة ولا رئاسة ولا زعامة، أسير بمقتضى الفطرة والطبيعة، أحب الخير لأعدائي، وأشفق عليهم، وأحسن إليهم، ووالله ما قلت مرَّة "لا" لمن سألني حاجة منهم، مرتاح الضمير دائمًا، لا أحسُّ بحرارة حقد ولا ضغينة والحمد لله، ما تملَّقتُ غنيًّا، ولا تذلَّلتُ لقوي، بل صارحت الظَلَمة منهم العداء، وناصبتهم الحرب غير آبه لما يملكون من قوة ومال.
كذلك أريد أن تكونوا ذوي كرم وأريحية وشمم وإباء وهمَّة عالية، أحسنوا إلى من أساء إليكم، وارفقوا بالجهلة والأغبياء وضعفاء الناس، وألينوا القول لهم، فإذا جدَّ الجدُّ فاغضبوا غضبة مُضريَّة لا تلين لكم فيها قناة، ولا يفلُّ حدٌّ؛ إنَّكم إذا فعلتم امتلكتم القلوب، وتحكَّمتم في النفوس، فسلس لكم قيادها".
النقطة الحادية عشرة:
قبل أن يختم الشيخ بيُّوض خطابه ركَّز على نقطة أساسية رآها الدعامة الأولى لتأثير النفوذ في أمَّته، وتأثيره في قومه وأتباعه، وهي الثقة التي يُحضى بها المصلح والعامل في محيطه الاجتماعي، فلا المال وحده، ولا العلم وحده، ولا العقل والفكر، يستطيع إقناع الأتباع.
قال الشيخ: "أريد من كلِّ واحد منكم أن يكون ذا أمانة عند قومه، وذا مقام في المركز الذي يعمل فيه، ويتمتَّع بثقة تامَّة لدى معارفه ومعاشريه وجمهور الناس، حتى يستطيع أن يؤثِّر فيهم ويوجِّههم الوجهة التي يريد، وإن لم يفهموا حقيقة ما يدعو إليه، فإنَّ الداعي لا يعتمد أبدًا على الإقناع بالحجة والبرهان في كلِّ وقت، إنَّما يعتمد على الثقة؛ والثقة والحجة هما الدعامتان القويتان لقيادة الأمة، فإذا حصلتم على هذا مع ما بينكم من الروابط والصلات أمكننا أن نقول إنَّنا قد أنشأنا أمَّة لا جيلاً".
هكذا نأتي على مُجمل الخطاب الذي قال عنه الشيخ محمد علي دبوز: "ألقى الشيخ بيُّوض خطبته ارتجالاً بالعربية الفصحى بالأسلوب البليغ … وقد دامت مدَّة طويلة شعر بها التلاميذ لحظة، بوُدِّهم أن يحدِّثهم بهذه البلاغة وبهذا الحنان والحب الأبوي، وبهذا التوجيه الحكيم العبقري أيَّامًا متصلة، وكانوا كلُّهم إلى الشيخ يُصغون في نشوة وحماس، إصغاء الحديقة الظمأى في نشوة بالغة إلى مُزنٍ كبيرٍ ينهمر عليها بالحياة! ".