افتتاحية الحياة في عددها العاشر
الجزء ١ · صفحة ٤إنَّ في تراث الشيخ أبي اليقظان من المقالاتِ والقصائد الناريَّة التي يتحدَّث فيها وبكلِّ جرأة وشجاعة عن قضايا الأمَّة العربيَّة والإسلامية، ما نعجز اليوم عن سردها و قراءتها فقط، فله مثلاً قصيدة طويلة تجاوزت الثلاثمائة بيت حول فلسطين، يتحدَّث فيها عن كلِّ أطوارها (2).
ففي هذا الصيف الحارِّ حاولتُ جاهدًا أن اكتب حرفًا، فراودتُ قلمي علَّه يُسعفني فيجود عليَّ بعبارات مناسبة، لكنَّه وبكلِّ وقاحة اعتذر بدعوى أن نقابة الأقلام منحت له عطلةً مدفوعة الأجر طيلة شهر أوت، ولما عصرتُ أفكاري وترجَّيتها أن تسعفني بأفكار وآراء أرصِّع بها افتتاحية الحياة، فإذا بأفكاري المتمرِّدة أكثر وقاحة من قلمي العنيد، فقد اشتاطت غضبًا، وكشَّرت أنيابها في وجهي قائلة: عن أيِّ أفكار تبحث، وأيِّ افتتاحية تريد أن تخط، وأيِّ دورية تشارك في إصدارها، أما تستحي أن تطلب الحياة، وإخوانك في جنوب لبنان وفلسطين، يطلبون الشهادة، ألا تخجل من كساد سلعة الكتابة والكتاب، والبلاغة والبيان، فما جدوى البيانات والتنديدات، وما فائدةُ الاستنكار أمام القصف الهمجيِّ ليلاً و نهارًا، وسفك دماء الأبرياء في الضفَّة و القطاع، وتدمير المدن والقرى في الجنوب والبقاع؟!
إنَّ ما يجري في هذه الأيام، وفي هذا الجو الحار من صيف 2006، لعجبٌ عُجاب ﴿يَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الاَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم:90]، ويكادُ عقل الإنسان أن يتحجَّر عن التفكير بانقلاب المفاهيم، وازدواجية الموازين، والمفارقات العجيبة والغريبة.
فلولا العقيدة التي تغمر قلبي، لتنكَّرت لديني ولوطني ولقوميَّتي، ولعنتُ كلَّ ما يُسمَّى جامعة عربية، أو اتحادًا مغاربيًّا، أو أمما متحدة، أو مجلس أمن، وكفرتُ بكلِّ تحالفٍ أو عروبة، وتبرَّأتُ من كلِّ انتخاب، أو سياسة، أو حاكم، أو سلطان …
فقد أصبح المدافع عن وطنه إرهابيًّا، وقاتلُ الأطفال ومُدمِّر الجسور مدافعًا عن نفسه، و صار قاتلُ المدنيِّين بطلاً للسلام، والبادئُ بالظلم والعدوان لهُ حقُّ الدفاع عن نفسه، والمظلومُ ما عليه إلاَّ الاضطجاعُ وتسليم نحرِه لسكِّين السفَّاح.
فأسرُ جُنديَّين غازيين مرفوضٌ عالميا وأُممِيًّا، وأمَّا سجن آلاف المدنيين بدون محاكمة فجائز و مسكوتٌ عنه ولا حرج، وسجن جنديين يُبيح قتلَ الأبرياء، من الصبيان والنساء … أيُّ منطق هذا، وأيُّ قانون دولي هذا الذي بلَغَتهُ الإنسانية والحضارة؟!!
فهل أصبح البياض سوادًا، وهل تحوَّل العسل علقمًا؟ وربَّما صار الباطل حقًّا والحقُّ باطلاً ..
فوالله لو كان هذا منطقُ إسرائيل ومن حالفها لهان الخطب، وأمَّا أن يُقنَّن هذا المنطق المقلوب في قرارات الأمم المتكالبة ـ عفوا المتحدة ـ، وتصريحات أصحاب الجلالة، وأصحاب المعالي، محاولين تبرير خيانتهم باجترار ما يُملَى عليهم، فيتسلَّطون باللوم على الفريسة بدعوى أنها هي التي