الشيخ حمو فخار وفكره السياسي
الجزء ١ · صفحة ٣٢وبهذا الحس الوطني العميق غرس الشيخ بيوض، أساليب الإصلاح والتغيير في تلاميذه، فقد درسهم أستاذهم دوريات المشرق العربي، وكتاب العروة الوثقى للأفغاني، وآثار محمد عبده، وطبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد للكواكبي، و بهذا خرَج الشيخ بيوض رجالا صالحين ومصلحين يؤمنون بالتغيير من الجذور؛ بإصلاح العقيدة والدين، وإصلاح التعليم والنهوض بالأمة، في كل المجالات الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، فلا فصل بين كل هذه الجوانب المترابطة والمتداخلة، وهو دائما يقوم بتوظيف البعد الديني في كل إصلاح، فالإسلام هو جوهره ولا فرق بين العبادة والسياسية، فلولا جهود الإصلاح الذي قامت به جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، لما نما حس وطني، ولا ثارت ثورة نوفمبر الخالدة، فتذكير الشعب بهويته ولغته ودينه، بعد قرن من الاستعمار، هو الوقود الفعال الذي أشعل الثورة التحريرية.
فهاهو يصرح في البيان الذي ألقاه بعد فرض الإقامة الجبرية عليه، وهو يحرض تلاميذه ومن أبرزهم الشيخ حمو فخَّار، فيقول لهم:
«أيها الشعب الكريم إن لك ماضيا مجيدًا، وتاريخا بالعظائم حافلا، وإن لك في سجل تاريخ الجهاد الوطني والكفاح الاجتماعي، والاقتصادي صفحات مشرقة بيضاء نقية، إن من أفظع أنواع الظلم أن يساس شعب مثلك سياسة عسكرية غاشمة مستبدة» (3).
ويعتبر الفكر السياسي للشيخ بيوض امتدادًا لفكر الشيخ أطفيش الذي يرى بأن الاستعمار مظهر من مظاهر الشرك والكفر، ولذلك تجب محاربته مهما كانت الظروف الاقتصادية، و الاجتماعية، ولذلك يرى وجوب القطيعة التامة، مع المستعمر وعدم التعامل معه، وعدم تقليده سلوكا، أو ثقافة أو لباسا وتجب البراءة من الكافرين، كما أوجب مقاومة الاستعمار بالجهاد، ومن هذا المنطلق فقد عارض الشيخ أطفيش معاهدة 1853م بين فرنسا ووادي ميزاب للحفاظ على الأمور الداخلية فقد اعتبرها لعبة سياسية، ومراوغة لربح الوقت، حيث كان رحمه الله يقول:
«إن تشييع ثمانين جنازة في اليوم من بني يزقن أحب إلي من أن يطرق سمعي أن فرنسا وضعت قدمها على حجر واحد من «تِضَفْتْ» وهو مكان معروف في المدينة» (4).
هذا هو الفكر السياسي الذي ترعرع فيه الشيخ حمو فخَّار تلميذا وطالبا.
وكان لجمعية الشباب أثرها البالغ في التكوين السياسي لطلبة الشيخ بيوض، فلم تكن مجرد ميدان للتكوين العلمي التطبيقي، والتدريب على تملك القواعد النظرية، وممارستها في ما يكتب أو يقال، فحسب، بل كانت فوق ذلك ميدانا لترويض العقل على البحث والنظر، والنقاش والحوار، والأهم من هذا كله، أنها كانت مجالاً لعمل أخطر وأعظم، ومضمارا لتحقيق غاية أسمى، غاية تتمثل في بعث الروح الوطنية ومقارعة الاستعمار، إذ تُعرض في أحضان تلك اللقاءات قضايا الحرية والاستقلال، وعزة المسلمين، وفداء الأوطان، والسعي لإنقاذها من براثن الكافرين، وكانت جلسات هذه الجمعية سرية، لا علم للإدارة الفرنسية بها، ويتعهد أعضاؤها بكتم أمرها، وعدم