مجلة الحياة، العدد 10 (مبوبة) مجلة الحياة

الحركة الإصلاحية في مزاب تحت مجهر الإدارة الفرنسية

الجزء ١ · صفحة ٥٠

الأمة، وأمات ضميرها وشل حركتها. ثم إن حاجة الناس إلى لغة الحاكم باتت أكيدة تُحتِّمها الظروف السياسية والاجتماعية الخاضعة لسلطان الاستعمار القاهر (2).

على أن أصواتا كانت في هذا الوقت المبكر ترفض كل ما من شأنه أن يكرِّس ثقافة المستعمر وينشئ جيلا متنكرا لهويته، مبهورا بثقافة الغرب، فظلت هذه الأصوات تصدع بفكرها القومي والديني والوطني. وكان صوت عمر راسم مثالا حيا لمقاومة التميع والذوبان (3). ومن هؤلاء أيضا عباس بن حمانة وأعضاء جمعيته الصديقية بتبسة التي بادرت إلى إيجاد بديل بفتح أول مدرسة نظامية عصرية في الجزائر في سنة 1913 وكانت تختم مراسلاتها بخاتم «الجمعية الصديقية لإحياء اللغة العربية بتبسة» (4).

والطور الثاني يغطي فترة نهاية الحرب العالمية الأولى إلى 1930، وسمتها النداء الحثيث لرفع همة الأمة الجزائرية، ورفع التحدي لكسر أغلال الجهل والتماس نور العلم والمعرفة، والعمل الجاد بكل طبقات الشعب - على إنشاء المدارس وفتح أبوابها لكل أبناء الأمة، ونشر التعليم العربي والفرنسي. (5)

لقد كان الشعب الجزائري في هذه الفترة بحاجة إلى عناية مركزة بعد طول غيبوبة، فهي حالة إنعاش تقتضي إعادة الحيوية إلى إحساسه وضميره، حتى يفضي التنبيه إلى استجابة.

ويجمع أعلام الجزائر العاملون أن المنبه الذي تستعيد به الأمة وعيها وحركيتها هو التعليم (6) بمحتواه الذي يحيي النفوس وبمنهجه الذي تستنير به العقول. في عمل جماعي يرتكز على المبادرة والإحساس بالواجب محليا، وعلى التعاون والتنسيق وطنيا.

أما الطور الثالث فتبلور مع مناسبة الاحتفال المئوي للاحتلال في 1930 وامتد إلى الاستقلال. وقد كان أبرز ملامحه هو تأسيس جمعية العلماء المسلمين التي جمعت العلماء العاملين على بعث الشخصية الجزائرية بملامحها الحضارية من خلال الحقل الثقافي المعتمد على التربية والتعليم، بتعدد منابرها، من المدرسة والمسجد إلى النادي والصحافة والتاريخ، ومن خلال التوعية والتجنيد، ومن خلال الحقل السياسي بمختلف وسائله وأدواته من الأحزاب والنقابات والدعاية إليها، وشغل المناصب الإدارية.

وكان لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين ولحركتهم الإصلاحية هدفان هامان: أحدهما فوري، يتمثل في جمع القوى المثقفة بما في ذلك المحافظون، تحت راية الإصلاح الاجتماعي، والثاني طويل المدى يرمي إلى فصل الجزائريين عن فرنسا باسم لواء الوطنية.

يدعو هذا الفكر الوطني إلى استقلال الجزائر، ويعمل على تحريرها، «فالحرية عند قادة هذا التيار ورموزه، جزء لا يتجزأ؛ فإما أن يكون كله وإما أن يذهب كله، وهي بطبيعتها تؤخذ ولا تعطى … وهي كالشمس لابد منها للحياة».

٥٠ / ٢٢١