مجلة الحياة، العدد 10 (مبوبة) مجلة الحياة

الحركة الإصلاحية في مزاب تحت مجهر الإدارة الفرنسية

الجزء ١ · صفحة ٥١

ويتميز هذا الفكر بإدراكه لهدف فرنسا الآجل في الجزائر؛ ولجميع أبعاد الاستقلال ومضامينه، ويبرز هذا الإدراك في الشعار الذي اعتمده العلماء وهو: «الإسلام ديننا، العربية لغتنا، الجزائر وطننا» (7).

وتتمثل الخطة المسطرة في إحياء المقومات التي اندثرت أو طالها الوهن والطمس، من دين وأخلاق ولغة وتاريخ وجنس وتقاليد، بتصحيح قواعدها في النفوس، ثم المطالبة بالحقوق الضائعة في منطق وإيمان، ثم الإصرار على المطالبة في قوة وشدة، ثم التصلب في الإصرار في استماتة وتضحية، مع اختيار الفرص الملائمة لكل حالة (8).

بعث التعليم العربي الحر

لم يقف علماء الجزائر موقف المتفرج إزاء المحاولات الاستعمارية التي كانت ترمي إلى مسخ ثقافة شعب الجزائر وإلى تحطيم شخصيته الوطنية بل كافحوها بكل قواهم وكان من أهم أسلحتهم في هذه المعركة المصيرية هو التعليم العربي الحر الذي احتضنه الشعب ورعاه وأمده بكل أسباب الحياة متحديا أساليب الاحتلال في محاربته والتضييق عليه (9).

وفي الجنوب الجزائري، كان المجتمع يرزح تحت طائلة الحكم العسكري وقوانينه العرفية. وما كان يزيد الحالة الاجتماعية سوءا أن العلماء الصالحين وتلاميذهم كانوا يلاقون الصعاب الجسام والأضرار بالغة الأذى.

لقد كانت الحكومة الفرنسية ترى "الطلبة " مصدر تشويش وتعكير للأمن، وأنهم أعداء فرنسا من الدرجة الأولى ويكفي للقائد لينكَّل بأحد منهم أشد تنكيل أن ينعته للحكومة الفرنسية أنه " طالب " (معلم)، ففي تقرير للشيخ بيوض سجل فيه تلك المعاناة في قوله: «تعاقبت الحركات الثلاث التعليمية والاجتماعية والسياسية، وكان قادتها وموجهوها هم العلماء والعزابة وكبار الطلبة، وأصبح الطلبة في نظر المحتلين هم أعداء فرنسا رقم 1، وهم المشوشون المعكرون لصفو الأمن، يجب التنكيل بهم حتى يكونوا عبرة لغيرهم، وكانت كلمة "طالب" مرادفة عندهم لكلمة خلاط ( Agitateur) فيكفي أن يقول القائد أو الآغا أو الباشا لسيده الحاكم العسكري في شخص ما: «نعم سيدي هذا خلاط» لجره إلى السجن والتنكيل به.

لذلك سُلِّطت الأضواء على دور التعليم واعتُبرت مراكز تشويش وعداء لفرنسا. ولا تسأل بعد ذلك عما وقع من تغريم وسجن وتعذيب وأشغال شاقة لشهور عديدة في "تعظميت" مركز التعذيب في الجنوب الذي يشبه "تازولت" و"البرواقية" في الشمال، سيق إلى هذا المركز كثير من كبار الطلبة والأعيان، وسيق إليه مرة أعضاء هيئة عزابة القرارة كلهم جميعا … «(10).

وفي شمال البلاد كان المحيط السياسي والقانوني والاجتماعي الذي مساعدا إلى حد ما على الإقدام على اتخاذ خطوة جريئة واعدة، فلقد أضفت الحركية ــــ التي برزت في عهد حاكم الجزائر العام شارل جونار بظهور الصحافة والجمعيات والنوادي في المدن الكبرى سيما الجزائر وقسنطينة

٥١ / ٢٢١