مجلة الحياة، العدد 10 (مبوبة) مجلة الحياة

الموسيقى (الإيقاع) في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ

الجزء ١ · صفحة ٩٧

الموسيقى ما تتماشى مع الأفكار، وتتساوق مع المعاني، وتتجاوب ألوان نغماتها ونبراتها مع حالات النّفس، فالشّاعر في اهتياجه وغضبه وغيظه يكون تعبيره الموسيقي عالي النّغمة، وفي حزنه يكون منخفضها، وفي تعجّبه وفرحه وهدوئه واطمئنانه تكون المسافات الصّوتيّة قصيرة، وأمّا في بثّه وألمه فتكون مسافات الصّوت طويلة، وهكذا تساير النّغمات حالات النّفس، كما تساير موضوع القصيد وفكرته» (1).

إنّ الإبداع في الشّعر والتّأثير في الغير - باستغلال عنصر الموسيقى - يحصل حين يحسّ الشّاعر بانسياب الموسيقى في شعره وسريانها في تجربته الشّعريّة عن فطرة وسجيّة (2)، من هنا عدّت الموسيقى جنديّا من جنود التّعبير الشّعري (3)؛ فكانت أساسًا في التّعبير الفنّي.

نتساءل بعد هذا التّمهيد كيف تعامل الشّعراء العمانيّون ذَوُو الاتّجاه المحافظ مع موسيقى الشّعر؟

إنّ موسيقى الشّعر جرس وإيقاع ووزن. والشّاعر المحافظ اهتمّ بكلّ هذه النّواحي في شعره. ولقد أعطى للإيقاع أهميّة كبرى؛ ربّما لأنّ موسيقاه تتميّز بالحماسة، وهو يقصد إلى شعر يدغدغ به العواطف، ويتوجّه به إلى من يهتزّ ويرقص له، وهو أصلا يؤمن بأنّ الشّعر يجب أن يحمل طابع الخطابيّة، وصفة المنبريّة، وما يحقّق ذلك هو الإيقاع، الذي يوجد موسيقى داخليّة، تبعث على التّجاوب مع مشاعر الفنّان «فالإيقاع يشيع في الصّورة الشّعريّة نوعا من الاتّساق والمساواة فيها، ممّا يتناسب مع الحالة النّفسيّة، وهذا بدوره يكسب الصّورة الأدبيّة حيويّة، تنسجم مع حيويّة الإنسان في تكوينه التّركيبي، الذي يقوم على النّظام والاتّساق الجميل، ويتلاءم مع ما يبغيه في تصرّفاته من الانسجام والتّوافق في كلّ أموره في الحياة … كلّ ذلك في إيقاع رتيب، يصدر عن الإنسان المستقيم في طبعه وذوقه، المعتدل في تفكيره وخلقه، فينجذب بعقله وعاطفته إلى نظائره من الأشياء والمخلوقات، التي تقوم على نظامه واتّساقه وغيرهما من الأمور التي ركّبت على مثاله في خلقه وخلقه. ومن هذه الأشياء الصّورة الأدبيّة في إيقاعها وموسيقاها الدّاخليّة والخفيّة» (4).

قد يعمد الشّاعر إلى إيجاد الإيقاع من تكرير صيغة معيّنة، يراها معبّرة عمّا يريده معنى، وتستجيب لعواطفه موسيقيّا، من حيث إنّها تولّد موسيقى رتيبة، تطرب النّفس، وتحرّك الجوارح. قال أبو مسلم البهلاني (ت 1339هـ/ 1920م) في «النّونيّة» وهو يصف أئمّة الدّين:

صيد سُراة أباة الضّيم أسد شرى.:.:. شُمْس العزائم أوّاهون رُهْبانُ

سُفْنُ النّجاةِ هُداةُ النّاس قادتَهم.:.:. طُهْرُ السّرَائِر للإسلامِ حِيطانُ

صُعبُ الشّكَائِمِ في ذَاتِ الإلَهِ فَإِنْ.:.:. حنَاهمُ الحقُّ عن مَكْروهِهِ لانُوا (5).

أوجد الشّاعر الإيقاع من الكلمات الآتية، التي كانت على صيغ متشابهة، من دون تكلّف أو تعسّف على العمليّة الإبداعيّة (صيد، أسد، شمس، سفن، طهر، صعب)، (سراة، أباة، هداة)، (العزائم، السّرائر، الشّكائم) زيادة على تكرير حروف معيّنة كـ (السّين والصّاد) وهي من

٩٧ / ٢٢١