مجلة الحياة، العدد 10 (مبوبة) مجلة الحياة

الموسيقى (الإيقاع) في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ

الجزء ١ · صفحة ٩٨

حروف الصّفير، التي لها وقع خاصّ في النّفس. وحرف (الهاء والرّاء) فالهاء تتميّز بالهمس، والرّاء تعرف بالذّلاقة. إنّ ذلك ينسجم مع حروف الصّفير، فتتناغم لتكوّن لوحة موسيقيّة، تعبّر عن الإعجاب بهؤلاء الأئمّة، والتّغنّي بفضائلهم. والهمس والذّلاقة والرّخاوة، تساعد على إيجاد جوّ من الارتياح والاطمئنان، يشعر به من يظهر إعجابه وتقديره لمن يتحدّث عنهم، كما فعل أبو مسلم الرّواحي مع هؤلاء الأئمّة.

يميل أبو مسلم كثيرا إلى انتهاج هذا الأسلوب في الكتابة الشّعريّة، حين يتعلّق الأمر بالتّغنّي بالأمجاد، وذكر محاسن الأجداد، فنجده يلجأ إلى إيجاد موسيقى مطربة، طربه للمكارم، فيحاول رسم لوحة من الإيقاعات، مكوّنة من كلمات متكرّرة في صيغها وهيئتها، كما نجد ذلك في اللّوحة الآتية وهو يسرد مجموعة خلال تميّز بها أسلافه، معاتبا الموت وقد انتقر خيار الأمّة، قال ذلك بمناسبة وفاة الشّيخ نور الدّين السّالمي (1332هـ/ 1914م):

يا صرعةَ الموت انْتَقَرْتَ خِيارَنَا.:.:. وَتَرَكْتَ أمّتنا بِغَيْر ِخِيَارِ

أَسْرَعْتَ في الأَغْواثِ وَالأَقْطَاب.:.:. وَالأَعْلامِ والأَبْطَال والأَخْيَارِ

مَهْلا فَمَا أبْقَيْتَ ثَمَّ بقيّةً.:.:. نَزَحَ القطينُ وجَفَّ رَوْضُ الدَّارِ

أَفْقَدْتَني شُهُبَ الفَضائلِ كُلَّهم.:.:. وَيْلاهُ منْ شُهُبيِ ومِنْ أَقْمَارِي

وَيْلاهُ أَيْنَ سَمَاؤُها ونُجومُها.:.:. وَشُموسُها، ذَهَبُوا كَأَمْسِ الجارِي

أَنْضاهُمُ التّسْبِيحُ والتَّرْتيلُ.:.:. وَالتَّهْجيدُ بَيْنَ جَوانِحِ الأَسْحارِ

خُبْتٌ إذَا جَنّ الظّلامُ رَأَيْتَهُم.:.:. طَارُوا إلى المَلَكُوتِ بِالأَسْرارِ

غُرٌّ إذَا سَجَدَ الظّلام على الفَضَا.:.:. سَجَدُوا على الثَّفَنَاتِ وَالأَحْجِارِ

قَطَعَ النَّحيبُ صُدُورَهُم وكَأنّمَا.:.:. وَضَعُوا السّحَائِبَ مَوْضِعَ الأَشْفَارِ (6).

بنى الشّاعر صيغه على أوزان معيّنة، وكأنّه عمد إلى المجموعات في التّركيب؛ ليحدث موسيقى من الإيقاع الرّتيب. فهناك صيغة (أفعال) (الأغواث، الأقطاب، الأعلام، الأبدال، الأخيار، الأسحار، الأسرار، الأحجار، أقمار … ) وهذه الصّيغة تكرّرت في معظم أبيات القصيدة. وصيغتا (تفعيل وفعول) (التّسبيح، التّهجيد، التّرتيل، نجوم، شموس … ) وصيغة (فُعْل) (خبت، غرّ شهب … ) يلاحظ التّشابه بين اللّوحتين في النّصّين السّابقين في ذكر صفات الممدوحين.

ممّا يدلّ على رغبة الشّاعر في إحداث الإيقاع في أبياته، أو على الأقلّ استجابته لفورة مشاعره، التي ترغب أن تخرج في ثوب قشيب من التّلوين الموسيقى. ممّا يدلُّ على ذلك، إطلاقه العنان لقريحته كي تردف الصّيغ المتشابهة في سلسلة طويلة، كما جاء في البيت الثّاني. إنّ هذا الموقف يكشف عن الحالة الشّعوريّة المتوتّرة عند الشّاعر، وهو يلاحظ الموت ينتقي الأخيار والأقطاب والأعلام …

هو حين وجد هذه الصّيغة مستجيبة لعواطفه، أردف كلمات أخرى على منوالها، متساوقة، وأحيانا غير ذلك، وقد التزم بذلك في كامل القصيدة. والإيقاع يصنع ذلك في الصّورة الشّعريّة،

٩٨ / ٢٢١