الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

في مكارم الأخلاق

الجزء ١ · صفحة ٢٧

قوله: " ترطيل شعر " إنما تلبين الشعر بالدهن وما أشبهه، ويقال للرجل إذا كان فيه لينٌ وتوضيع: رجل رطلٌ، والذي يوزن به ويكال يقال له: رطلٌ، بكسر الراء.

وكان الحسن يقول: اجعل الدنيا كالقنطرة تجوز عيها ولا تعمرها.

قوله القنطرة يعني هذه المعقودة المعروفة عند الناس، والعرب تسمي كل أزج قنطرة قال طرفة بن العبد:

كقنطرة الرومي أقسم ربها … لتكتنفاً حتى تشاد بقرمد

قوله " حتى تشاد " يقول: تطلى، وكل شيء طليت به البناء من جص أو جيار، وهو الكلس، فهو المشيد، يقال: دار مشيدةٌ، وقصر مشيدٌ، قال الله عز وجل: " ولو كنتم في بروج مشيدةٍ " النساء78 وقال الشماخ:

لا تحسبني وإن كنت امرأً غمراً … كحية الماء بين الطين والشيد

وقال عدي بن زيد العبادي:

شاده مرمراً وجلله كل … ساً فللطير في ذراه وكور

والمقرمد: المطلي أيضاً، فمن ثم قال: " حتى تشاد بقرمد " في معنى حتى تطلى، ومن ذلك قول النابغة:

رابي المجسة بالعبير مقرمد

وقال الحسن: تلقى أحدهم أبيض بضاً، يملخ في الباطل ملخاً، ينفض مذرويه، ويضرب أصدريه، يقول: هأنذا فاعرفوني. قد عرفناك، فمقتك الله، ومقتك الصالحون.

قوله: " أبيض بضاً " فالبض الرقيق اللون، الذي يؤثر فيه كل شيء.

وفي الحديث أن معاوية قدم على عمر بن الخطاب رحمهما الله من الشام وهو أبض الناس، فضرب عمر بيده على عضده، فأقلع عن مثل الشراب، أو مثل الشراك، فقال : هذا والله لتشاغلك بالحمامت، وذوو الحاجات تقطع أنفسهم حسراتٍ على بابك! وقال حميد بن ثورٍ الهلالي:

منعمةٌ بيضاء لو دب محولٌ … على جلدها بضت مدارجه دما

وقوله: " يملخ في الباطل ملخاً، يقول: يمر مراً سريعاً، يقال: بكرةٌ ملوخٌ إذا كانت سهلة المر.

وقوله: " يضرب أصدريه وأزدريه " ، فإنما يقال ذلك للفارغ، يقال: جاء فلان يضرب أصدريه وأزدريه، ولا يتكلم منه بواحدٍ، ويقال: فلانٌ ينفض مذرويه، وهما ناحيتاه، وإنما يوصف بالخيلاء، قال عنترة:

أحولي تنفض استك مذرويها … لتقتلني، فهأنذا عمارا

ولا واحد لهما، ولو أفردت لقلت في التثنية مذريان، لأن ذوات الواو إذا وقعت فيهن الواو رابعة رجعت إلى الياء، كما تقول في ملهى: ملهيان، وهو من لهوت، وفي مغزى: مغزيان، وهو من غزوت، وإنما فعلت ذلك لأن فعله ترجع فيه الواو إلى الياء إذا كانت رابعة فصاعداً، نحو غزوت، فإذا أدخلت فيه الألف قلت: أغزيت، وكذلك غازيت واستغزيت، وإنما وجب هذا لانقلابها في المضارع، نحو يغزي، ويستغزي، ويغازي، وإنما انقلبت لانكسار ما قبلها. فإن قال قائل: فما بال يترجى ويتغازى، يكونان بالياء، نحو: هما يتغازيان ويترجيلن؟ فإنما ذلك لأنهما في الأصل: رجى يرجي، وغازى يغازي، ثم لحقت التاء بعد ثبات الياء. والدليل على ذلك أن التاء إنما تلحقه على معناه، فقولك: مذروان لا واحد له لما أعلمتك، وثبات الواو دليلٌ على أن أحدهما لا يفرد من الآخر، فلذلك جاء على أصله.

باب

ليزيد بن الصقيل، وكان يسرق الإبل ثم تاب

قال أبو العباس: قال يزيد بن الصقيل العقيلي - وكان يسرق الإبل، ثم تاب، وقتل في سبيل الله:

ألا قل لأرباب المخائض: أهملوا … فقد تاب مما تعلمون يزيد

وإن امرأً ينجو من النار بعد ما … تزود من أعمالها لسعيد

وفي هذا الشعر:

إذا ما المنايا أخطأتك وصادفت … حميمك فاعلم أنها ستعود

قوله " ألا قل لأرباب المخائض " ، فإن الناقة إذا لقحت قيل لها خلفة، وللجميع مخاض، وهذا جمع على غير واحده، إنما هو بمنزلة امرأةٍ ونساء، ثم جمع الجمع فقال: مخائض، كقولك في رسالةٍ: رسائل، وكما تقول في قوم أقوام، فتجمع الاسم الذي هو للجمع، وكذلك أعراب وأعاريب، وأنعام وأناعيم.

وقوله: " أهملوا " : أي اسرحوا إبلكم، والهمل ما كان غير محظور، وهو السدى، ويروى في مثل قوله:

إذا ما المنايا أخطأتك وصادفت … حميمك فاعلم أنها ستعود

عن بعض الصالحين أنه كان يقول إذا مات له جار أو حميم: أولى لي! كدت والله أكون السواد المخترم.

باب

؟؟؟؟؟؟؟؟لابن حبناء التميمي

في مكارم الأخلاق

وقال ابن حبناء التميمي:

٢٧ / ٣٣٦