الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

لرجل تميمي في الرثاء

الجزء ١ · صفحة ٢٣

فكل شيء كان على " فعال " من المؤنث فجمعه أفعل، وكذلك فعال، تقول: ذراع أذرع،كراع وأكرعٌ، لأنهما مؤنثتان، ومن أنث اللسان قال: ألسن، ومن ذكره قال ألسنة، وشمالٌ وأشملٌ، كما قال الشاعر: " يأتي لها من أيمن وأشمل " فأما المذكر فعلى أفعلةٍ في أدنى العدد وفعل في الكثير، يقال: حمارٌ وأحمرةٌ وحمر، وفراشٌ وأفرشة وفرش.والنواشر ما يظهر من العروق في ظهر الذراع مما يداني المعصم، وذلك الموضع يقال له أسلة الذراع، قال زهير:

ودارٌ لها بالرقمتين كأنها … مراجع وشمٍ في نواشر معصم

وقوله :

وبعض الرجال في الحروب غثاء

فالغثاء: ما يبس من البقل حتى يصير حطاماً، وينتهي في اليبس فيسود،فيقال له: غثاء وهشيم ودندن وثن، على قدر اختلاف أجناسه، ويقال له: الدرين، قال الله عز وجل: " فجعله غثاء أحوى " الأعلى " 5 وقال: " فأصبح هشيماً تذروه الريح " الكهف " 45، وقال الشاعر يصف سحاباً:

إذا ما هبطن الأرض قد مات عودها … بكين بها حتى يعيش هشيم

وقال الراجز

تكفي الفصيل أكلةٌ من ثن

وقد يقال للشيء الذي لا خير فيه: هذا غثاء، أي قد صار كذلك الذي وصفناه، ويضرب هذا مثلاً للكلام الذي لا وجه له.

لرجل تميمي في الرثاء

وقال رجل أحسبه تميمياً:

لو لم يفارقني عطية لم أهن … ولم أعط أعدائي الذي كنت أمنع

شجاعٌ إذا لاقى، ورامٍ إذا رمى … وهادٍ إذا ما أظلم الليل مصدع

سأبكيك حتى تنفد العين ماءها … ويشفى مني الدمع ما أتوجع

أحسن الإنشادين عندي: " لم أهن " ، يأخذه من وهن يهن، لأنه إذا قال: " لم أهن " فهو من الهوان، ومن قال: " لم أهن " فإنما هو من الضعف، وهو أشبه بقوله:

ولم أعط أعدائي الذي كنت أمنع

والآخرغير بعيد، يقول: لم أهن على أعدائي، وإذا قال " لم أهن " فالأصل: " لم أهن " ، ولكن الواو إذا كانت في موضع الفاء من الفعل، وكان ذلك الفعل على " يفعل " ، قالوا محذوفة، وإنما تحذف الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، وتصير حروف المضارعة الباقية تابعة للياء، لئلا يختلف الباب، وهي التاء من قولك: " تفعل " إذا عنيت مخاطباً أو مؤنثاً غائباً، نحو: تعد، وهي تعد، والهمزة إذا عنيت نفسك، نحو: أنا أعد، والنون إذا أخبرت عن نفسك و معك غيرك، نحو: نحن نعد.

فإن قال قائل: إنما هذا لن الفعل المتعدي تحذف منه الواو، فإن كان غير متعد ثبتت، فقد قال أقبح قول، لأن التعدي أو غير التعدي لا يحدث في أنفس الأفعال شيئاً، ولو كان كما يقول لأثبت الواو في " وهن يهن " ، لأنك لا تقول: وهنت زيداً، وكذلك ورم يرم ووكف البيت يكف، وونم الذباب ينم، وهذا أكثر من أن يحصى. فإن لم تكن بعد الواو كسرة لم تحذف، نحو وحل يوحل، ووجل يوجل، ووجع الرجل يوجع وقد يجوز ييجع وياجع وييجع لما نذكره إذا جرى إذا جرى ذكر هذه المفتوحة إن شاء الله. فأما الحذف فلا يكون فيها.

فإن قال قائل: فما بال يطأ ويسع حذفت منهما الواو، ومثلهما ثبتت فيه الواو،فإنما ذلك لأنه كان فعل يفعل مثل ولي يلي، وورم يرم، ففتحته الهمزة والعين، والأصل الكسر، فإنما حذفت الواو مما يلزم في الأصل، ألاترى أنك تقول: ولغ السبع يلغ، فهذا فعل يفعل والأصل يفعل، ولكن فتحته العين، لأن حروف الحلق تفتح ماكان على يفعل ويفعل، ولولا ذلك لم تقع فعل يفعل وحروف الحلق ستة: الهمزة، والهاء والعين، والغين، والحاء، والخاء، وهن، يفتحن إذا كن في موضع العين واللام، فأماالعين فنحو سأل يسأل وذهب، وأما اللام فمثل قرأ يقرأ، وصنع يصنع، وسائر هذا الباب على ماوصفت لك.

وقوله: وهادٍ إذا ماأظلم الليل مصدع فتأويل " مصدع " أي ماض في الأمر، قال الله عز وجل: " فاصدع بما تؤمر " الحجر:94 ويقال : أحزم الناس من إذا وضح له الأمر صدع به وقال أعرابي يمدح سوار بن عبد الله القاضي، وسوارٌ أحد بني العنبر بن عمرو بن تميم :

وأوقف عند الأمر ما لم يضح له … وأمضى إذا ما شك من كان ما ضيا

فاستجمع في هذا المدح ركانة الحزم، وإمضاء العزم،ومثله قول النابغة الجعدي :

أبى لي البلاء وإني امرؤٌ … إذاما تبينت لم أرتب

٢٣ / ٣٣٦