لأعرابي من بني سعد خلاف الدمامة
الجزء ١ · صفحة ٢٤ومن أمثال العرب السائرة الجيدة: " رو تحزم " فإذا استوضحت فاعزم " ومن أمثالهم: " قد أحزم لو أعزم " ، وإنما يكون هذا بعد التوقف والتبين، فقد قال الشعبي: أصاب متأمل أو كاد، وأخطأ مستعجل أوكاد.
ومثل قوله: " ويشفي مني الدمع ما أتوجع " قول الفرزدق:
ألم تر أني يوم جو سويقة … بكيت فنادتني هنيدة: ما ليا
فقلت لها: إن البكاء لراحةٌ … به يشتفي من ظن ألا تلاقيا
قال أبو الحسن : ويتلو هذ ين البيتين مما يستحسن:
قعيدكما الله الٌذي أنتما له … ألم تسمعا بالبيضتين المناديا
حبيب دعا، والرمل بيني وبينه … فأسمعني، سقياٌ لذلك،داعيا
يقال : قعيدك الله، وقعدك الله، ونشدك الله، أي سألتك بالله، كما قال متمم بن نويرة، وهو من بني يربوع:
قعيدك ألاٌتسمعني ملامة … ولاتنكئي قرح الفؤاد فييجعا
ويرى: " فقعدك ألآتسمعني " ، والبيضتان: موضع معروف.
قال أبو العباس: وقال أبو بكر بن عياش:نزلت بي مصيبة أوجعتني،فذكرت قول ذي الرمة:
لعل انحذار الدمع يعقب راحةً … من الوجد،أويشفي نجي البلابل
فخلوت فبكيت فسلوت .
لنضلة السلمي في يوم غول
وقال نضلة السلمي في يوم غولٍ وكان حقيراًدميماً،وكان ذا نجدةٍ وبأسٍ:
ألم تسل الفوارس يوم غولٍ … بنضلة، وهو موتور مشيح
رأوه فازدروه وهو حر … وينفع أهله الرجل القبيح
فشد عليهم بالسيف صلتاً … كما عض الشبا الفرس الجموح
فأطلق غل صاحبه وأردى … قتيلاً منهم ونجا جريح
ولم يخشوا مصالته عليهم … وتحت الرغوة اللبن الصريح
قوله: " وهو موتور مشيح " فالمشيح الحامل الجاد، يقال: أشاح يشيح إذا حمل، وأنشدني التوزي قال: أنشدني أبو زيد وهو لأبي العيال الهذلي:
مشيح فوق شيحان … يشد كأنه كلب
قال: شيحان اسم فرسه.
قال أبو الحسن ويروى: " شيحان " بفتح الشين، وحقه على رواية أبي زيد ألا ينصرف لأنه فعلان، فالألف والنون زائدتان، وهو معرفة، فضارع عطشان وما جرى مجراه، وإنما اضطر فصرفه. وعن أبي زيد أيضاً يرويه: " شيحان " ، وهو الجاد، وهو صفة شائعة، وليس كالأول فالأول معرفة مشتق عن النعت.
وقال ابن الإطنابة، واسمه عمرو:
وإجشامي على المكروه نفسي … وضربي هامة البطل المشيح
ويقال في هذا المعنى: رجل شيح، كما يقال: ناقة نقض، إذا كانت هزيلاً، قال أبو ذؤيب:
وشايحت قبل اليوم إنك شيح
وقوله: " بالسيف صلتاً " يقول: منتضى، ورجل صلت الجبين إذا كان نقيه.
وقوله: " كما عض الشبا " يريد حد اللجام، وشبا كل شيء حده.
وقوله: " وأردى " أي أهلك، يقال: ردي يردى إذا هلك، والردى: الهلاك، قال الله عز وجل: " وما يغنى عنه ماله إذا تردى " الليل:11، قيل فيه قولان: أحدهما إذا تردى في النار، والآخرإذا مات، وهو " تفعل " من الردى. وقوله:
ولم يخشوا مصالته عليهم
فهي " مفعلة " من صال يصول، ويقال: صال البعير إذا عض. وقيل للمغيرة بن شعبة: إن بوابك يإذن لأصحابه قبل أصحابك، فقال:إن المعرفة لتنفع عند الكلب العقور، والجمال الصؤول، فكيف بالرجل الكريم وقوله:
وتحت الرغوة اللبن الصريح
يقول: إذا رأيت الرغوة وهو ما يرغو كالجلد في أعلى اللبن لم تدر ما تحتها، فربما صادفت اللبن الصريح إذا كشفتها. أي أنهم رأوني فازدروني لدمامتي، فلما كشفوا عني وجدوا غير ما رأوا. والصريح: المحض الخالص، من ذلك قولهم: عربي صريح أي خالص، ومولى صريح. ومن أمثال العرب: " إنه ليسر حسوا في ارتغاء " ومعنى ذلك أنه يوهمك أنه يأخذ بفيه تلك الجلدة عن اللبن ليصلحه لك، يحسو من تحتها، يضرب هذا المثل لمن يريك أنه يعينك، وإنما يجتر النفع إلى نفسه.
لأعرابي من بني سعد خلاف الدمامة
وقال أعرابي خبرت أنه من بني سعد وقد تمثل بهذا الشعر الخنوت، وهو توبة بن مضرس، أحد بني مالك بن سعد بن زيد مناة بن تميم، في خلاف الدمامة:
ولما التقى الصفان واختلف القنا … نهالاً وأسباب المنايا نهالها
تبين لي أن القماءة ذلة … وأن أشداء الرجال طوالها