الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

لجميل بن معمر في النسيب

الجزء ١ · صفحة ١٩

وقوله تحت جمائه يعني شخصه، والضال: السدر البري وما كان من السدر على الأنهار فليس بضال، ولكن يقال له : عبري. قال ذو الرمة: " عبرياً وضالاً " .

ورثت سلاحه وورثت ذودا

يصف قرب نسبه منه، والذود: القطعة من الإبل، وأكثر ما يستعمل ذلك في الأناث، ويجوز في السائر، ومنه قولهم: الذود إلى إبل، ثم قال :

وحزناً دائماً أخرى الليالي

كما قال وغبط بميراثٍ ورثه من أحد أهله:

يقول جزءٌ ولم يقل جللاًإني تزوجت ناعماً جذلاً

إن كنت أزنتني بها كذباً … جزء فلاقت مثلها عجلا

أغبط أن أرزأ الكرام وأن … أورث ذوداً شصائصاً نبلا

قوله : " ولم يقل جللا " أي صغيراً، والجلل يكون للصغير، ويكون للكبير، من ذلك قوله:

كل شيء ما خلا الله جلل

أي صغير، وقال لبيدٌ في الكبير:

وأرى أربد قد فارقني … ومن الأرزاء رزءٌ ذو جلل

وقوله: " شصائصاً " ، يعني حقيرة دميمة. وزعم التوزي أن النبل من الأضداد، يكون للجليل والحقير، واححتج بهذا البيت الذي ذكرناه، قال : يريد ههنا الحقيرة.

وقوله: " أزنتني " ، أي قرفتني ونسبتني إليه، فلان يزن بكذا وكذا، أي يسمى به، ةينسب إليه، قال امرؤ القيس بن حجر:

كذبت، لقد أصبي على المرء عرسه … وأمنع عرسي أن يزن بها الخالي

وفي معنى قوله : " ورثت سلاحه " قول الشاعر:

يفرح الوارث بالمال إذا … ورث المال ويبكي إن غضب

ومثله قول الفزاري:

ياحبذا التراث لولا الذلة

لجميل بن معمر في النسيب

وقال جميل بن معمرٍ:

ما صاءب من نائلٍ قذفت به … يدٌ، وممر العقدتين وثيق

له من خوافي النسر حم نظائرٌ … ونصل كنصل الزاعبي فتيق

على نبعةٍ زوراء، أيما خطامها … فمتنٌ، وأيما عدها فعتيق

بأوشك قتلاً منك يوم رميتني … نوافذ لم تعلم لهن خروق

كأن لم نحارب يا بثين لو أنها … تكشف غماها وأنت صديق

قوله " ما صائب " يريد قاصداً، يقال: صاب يصوب إذا قصد، ومن ذلك قوله تعالى: " أو كصيب من السماء " البقرة19 وقد قالوا: النازل، والقصد أحكم كما قال بشر بن أبي خازم الأسدي:

تؤمل أن أؤوب لها بغنم … ولم تعلم بأن السهم صابا

وقوله: " وممر العقدتين " يعني وتراً، والممر: الشديد الفتل.

وقوله: " من خوافي النسر حم نظائر " يريد ريش السهم، والحم: السود، وذلك أخلصه وأجوده، وجعلها في مقادير، لأنه أقصد للسهم، وإذا كانت الريشات بطن الواحدة منها إلى ظهر الأخرى فهو الذي يختار وهو الذي يقال له اللؤام، وإنما أخذ من قولهم: ملتئم. وإن كان ظهر الواحدة إلى ظهر الأخرى، وبطنها إلى بطن الأخرى فذلك مكروه، يقال له اللغاب.

وقوله : " كنصل الزاعبي " ، شبه نصل السهم بنصل الرمح الزاعبي، وهو منسوب إلى رجل من الخزرج، يقال له زاغبٌ، كان يعمل الأسنة، هذا قول قوم. وأما الأصمعي فكان يقول:الزاغبي: الذي إذا هز فكأن كعوبه يجري بعضها في بعضٍ للينه وتثنيه، يقال مر يزعب بحمله إذا مر مراًسهلاً.

وقوله: " فتيق " يعني حاداً رقيقاً، يقال: فتيق الشفرتين، وتأويله أنه يفتق ما عمد به له. و " فعيل " يقع اسماً للفاعل، ويقع للمفعول، فأما الفاعل فمثل رحيم وعليم وحكيم وشهيد، وأما ما كان للمفعول، فنحو جريح وقتيل وصريع.

وقوله: " زوراء " يريد معوجة، وكلما كانت القوس أشد انعطافاٌ كان سهمها أمضى.

وقوله: " على نبعة " ، يعني قوساً وأكرم القسي ما كان من النبغ وقوله: " أيما " إنما يريد " أما " ، واستثقل التضعيف، فأبدل الياء من إحدى الميمين،وينشد بيت ابن أبي ربيعة:

رأت رجلا، أيما إذا الشمس عارضت … فيضحى، وأيما بالعشي فيخصر

وهذا يقع، وإنما بابه أن تكون قبل المضاعف كسرة فيما يكون على فعال، فيكرهون التضعيف و الكسر، فيبدلون من المضعف الأول الياء للكسرة وذلك قولهم: دينار وقيراطٌ وديوان ما أشبه ذلك، فإن زالت الكسرة وانفصل أحد الحرفين من الآخر رجع التضعيف فقلت: دنانير وقراريط ودواوين، وكذلك إن صغرت قلت قريريط ودنينير.

وقوله: " وأيما عودها فعتيق " ، يصف كرم هذه القوس وعتقها، ويحمد منها أن تترك ولحاؤها

١٩ / ٣٣٦