الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

من أقوال الحكماء

الجزء ١ · صفحة ٢٠

عليها بعد القطع حتى تشرب ماءه، كما قال الشماخ :

فمظعها حولين ماء لحائها … وينظر منها أيها هو غامر

مظعها: شربها وقوله: " بأوشك قتلا منك " ، يقول: بأسرع، يقال: أمر وشيك أي سريع، ويقال: يوشك فلان أن يفعل كذا، أي يقارب ذلك، ويوشك يفعل، كذا يطرح " أن " كل جيد قال :

يوشك من فر من منيته … في بعض غراته يوافقها

من لم يمت عبطة يمت هرماٌ … للموت كأس فالمرء ذائقها

قال أبو الحسن: هذه أبيات أربعة وهي لرجل من الخوارج قتله الحجاج:

ما رغبة النفس في الحياة وإن … عاشت قليلاٌ فالموت لاحقها

وأيقنت أنها تعود كما … كان براها بالأمس خالقها

قوله: " عبطة " ، أي شاباٌ، يقال : اعتبط الرجل، إذا مات شاباٌ من غير مرض، وأصل العبيط الطري من كل شيْ وقوله:

نوافذ لم تعلم لهن خروق

معنى طريف، وقد أخذه أبو حية منه فكشفه في أبيات مختارة، وهي:

وإن دماٌ لو تعلمين جنيته … على الحي جاني مثله غير سالم

أما إنه لو كان غيرك أرقلت … إليه القنا بالراعفات اللهاذم

ولكن لعمر الله ما طل مسلما … كغر الثنايا واضحات الملاغم

إذا هن ساقطن الحد يث كأنه … سقاط حصى المرجان من سلك ناظم

رمين فأقصدن القلوب فلم نجد … دما مائراٌ إلا جوى في الحيازم

قال أبو الحسن: وأول هذه الأبيات المختارة أنشدناه غيره:

وخبرك الواشون أن لن أحبكم … بلى وستور الله ذات المحارم

أصد وما الصد الذي تعلمينه … شفاءٌ لنا إلا اجتراع العلاقم

قال أبو العباس: فهذا مأخوذ من ذلك.

وقوله :

ولكن لعمر الله ما طل مسلماً

يقول: ما طل دمه، يقال: دمٌ مطلول، إذا مضى هدراً، كما قال الراجز:

بغير عقلٍ ودمٍ مطلول

وحدثني التوزي قال: قال يحيى بن يعمر لرجل نازعته امرأته عنده: آن طالبتك بثمن شكرها وشبرك أنشأت تطلها وتضهلها ! قوله: " ثمن شكرها " فإنما يعني الرضاع، والشبر: النكاح، والشكر: الفرج.

وقوله: " أنشأت تطلها " أي تسعى في بطلان حقها.

وقوله: " تضهلها " أي تعطيها الشيء بعد الشيء: يقال: بئر ضهول إذا كان ماؤها يخرج من جرابها شيئاً بعد شيء، وجرابها جوانبها، وإنما يغزر ماؤها إذا خرج من قرارتها فتعظم جمتها.

وقوله : " واضحات الملاغم " يريد العوارض، قال الفرزدق:

سقتها خروق في المسامع لم تكن … علاطاً ولا مخبوطة في الملاغم

يقول :علم أرباب الماء لمن هي فسقاها ما سمعوه من ذكر اصحابها لعزهم ومنعتهم، ولم تحتج أن تكون بها سمةٌ.

والعلاط: وسمٌ في العنق، والخباط في الوجه

باب

من أقوال الحكماء

قال أبو العباس قال بعض الحكماء: من أدب ولده صغيراً سر به كبيراً وكان يقال : من أدب ولده أرغم حاسده.

وقال رجل لعبد الملك بن مروان إني أريد آن أسر إليك شيئاً، فقال عبد الملك لأصحابه: إذا شئتم، فنهضوا، فأراد الرجل الكلام، فقال له غبد الملك قف، لا تمدحني، فآنا أعلم بنفسي منك، ولا تكذبني، فإنه لا رأي لمكذوبٍ ؟ ولا تغتب عندي احداً.فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، أفتأذن لي في الانصراف؟ قال له: إذا شئت.

وقال بعض الحكماء: ثلاث لا غربة معهن: مجانبة الريب، وحسن الأدب، وكف الأذى.

وقال عمرو بن العاص لدهقان نهر تيرى: بم ينبل الرجل عندكم ؟ فقال : بترك الكذب، فإنه لا يشرف إلا من يوثق بقوله، وبقيامه بأمر أهله، فإنه لا ينبل من يحتاج أهله إلى غيره، وبمجانبة الريب، فإنه لا يعز من لا يؤمن ألا يصادف على سوأة، وبالقيام بحاجات الناس، فإنه من رجي الفرج لديه كثت غاشيته.

وقال بزر جمهر: من كثر أدبه كثر شرفه، وإن كان قبل وضيعاً، وبعد صيته وإن كان حاملاً، وساداً وإن كلن غريباً، وكثرت الحاجة إليه وإن كان مقتراً.

وكان يقال: عليكم بالأدب، فإنه صاحبٌ في السفر، ومؤنس في الوحدة، وجمال في المحفل، وسبب إلى طلب الحاجة.

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من أفضل ما أعطيته العرب الأبيات. يقدمها الرجل أمام حاجته، فيستعطف بها الكريم، ويستنزل لها اللئيم.

٢٠ / ٣٣٦