للفرزدق يرثي ابنيه
الجزء ١ · صفحة ٥٩يذكرني ابني السماكان موهناً … إذا ارتفعا فوق النجوم العواتم
وقد رزىء الأقوام قبلي بنيهم … وإخوانهم، فاقني حياء الكرائم
ومات أبي والمنذران كلاهما … وعمرو بن كلثوم شهاب الأراقم
وقد كان مات الأقرعان وحاجب … وعمرو أبو عمرو، وقيس بن عاصم
وقد مات بسطام بن قيس بن خالدٍ … ومات أبو غسان شيخ اللهازم
وقد مات خيراهم فلم يهلكاهم … عشية بانا رهط كعب وحاتم
فما ابناك إلا من بني الناس فاصبري … فلن يرجع الموتى حنين المآتم
قال:وأنشدني التوزي عن أبي زيد: " خنين المآتم " بالخاء معجمة قوله: " ما تزال طليعة " يريد طالعةً، والثنايا جمع ثنيةٍ، وهي الطريق في الجبل، من ذلك:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا … متى أضع العمامة تعرفوني
والمخارم: جمع مخرمٍ، وهو منقطع أنف الجبل. وقوله: " فوق النجوم العواتم " ، يعني المتأخرة، يقال: فلان يأتينا ولا يعتم: أي لايتأخر، وعتمة اسم للوقت، فلذلك سميت الصلاة بذلك الوقت، وكل صلاة مضافة إلى وقتها، تقول: صلاة الغداة، وصلاة الظهر، وصلاة العصر.وما قولك: الصلاة الأولى، فالأولى نعت لها إذا كانت أول ما صلي، وقيل أول ما أظهر.
وقوله: " فاقني حياء الكرائم " يقول: فالزمي، وأصل القنية المال اللازم، يقال: اقتنى فلان مالاً إذا اتخذ أصل مالٍ، وقيل في قول الله عز وجل: " وأنه هو أغنى وأقنى " ، النجم: 48 . أي جعل لهم أصل مال، وأنشد أبو عبيدة:
لو كان للدهر عز يطمئن به … لكن للدهر صخر مال قنيان
والكرائم: جمع كريمة، والاسم من " فعيلة " والنعت يجمعان على " فعائل " ، فالاسم نحو: صحيفة وصحائف، وسفينة وسفائن، والنعت نحو: عقيلة وعقائل، وكريمة وكرائم.
و قوله: " ومات أبي " يريد التأسي بالأشراف. وأبوه غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع، وكان أبوه شريفاً، وأجداده إلى حيث إنتهوا، ولكل واحد منهم قصة يطول الكتاب بذكرها. والمنذران: المنذر بن المنذر بن ماء السماء اللخمي، يريد الابن والأب، وعمرو بن كلثوم التغلبي، قاتل عمرو بن هند، وكان أحد أشراف العرب وفتاكهم وشعرائهم. والأراقم: قبيلة من بني تغلب ابنة وائل، من بني جشم بن بكر. وزعم أهل العلم أنهم إنما سموا الأراقم لأن عيونهم شبهت بعيون الحيات، والأراقم: واحدها أرقم، فكانوا معروفين بهذا. قال الفرزدق يرد على جرير في هجائه له وللأخطل:
إن الأراقم لن ينال قديمها … كلب عوى متهتم الأسنان
وجعله شهاباً لهم لنوره وبهائه وضيائه، تقول العرب: إنما فلان نجم أهله وكذلك قالت الخنساء:
كأنه علم في رأسه نار
والأقرعان: الأقرع بن حابس، وابنه الأقرع من بني مجاشع بن دارم، وكان الأقرع في صدر الإسلام سيد خندف، وكان محله فيها محل عيينة بن حصن في قيس. وحاجب بن زرارة بن عدس سيد بني تميم في الجاهلية غير مدافع. و عمرو أبو عمرو بن عدس، وكان شريفاً، وكان ابنه عمرو شريفاً، قتل يوم جبلة، قتلته بنو عامر بن صعصعة، وقتلوا لقيط بن زرارة وكان الذي ولي قتله عمارة الوهاب العبسي، وينسب إلى بني عامر، لأن بني عبس كانوا فيهم مع قيس بن زهير، وعمارة هذا كان يقال له: " دالق " ، وقتله شرحاف الضبي، ولذلك يقول الفرزدق:
وهن بشرحاف تداركن دالقاً … عمارة عبس بعدما جنح العصر
وزعم أبو عبيدة أن فاطمة بنت الخرشب الأنمارية أريت في منامها قائلاً يقول: أعشرة هدرة أحب إليك أم ثلاثة كعشرة هدرة بالدال غير معجمة، قال أبو الحسن: هم السقاط من الناس فلم تقل شيئاً، فعادلها في الليلة الثانية فلم تقل شيئاً، ثم قصت ذلك على زوجها فقال: إن عاد لك الثالثة فقولي: ثلاثة كعشرة وزوجها زياد بن عبد الله بن ناشب العبسي، فلما عاد لها قالت: ثلاثة كعشرة، فولدتهم كلهم غاية، ولدت ربيع الحفاظ، وعمارة الوهاب، وأنس الفوارس، وهي إحدى المنجبات من العرب.
وأسرو حاجباً . فذلك حيث يقول جرير يعير الفرزدق ويعلمه فخر قيس عليه:
تحضض يا ابن القين قيساً ليجعلوا … لقومك يوماً مثل يوم الأراقم