الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

لقيس بن معاذ في النسيب

الجزء ١ · صفحة ٧٧

فقال :معاذ الله أن يذهب التقى … تلاصق أكباد بهن جراح

وأنشد لبعض المحدثين:

تلاصقنا وليس بنا فسوق … ولم يرد الحرام بنا اللصوق

ولكن التباعد طال حتى … توقد في الضلوع بنا حريق

فلما أن أتيح لنا التلاقي … تعانقنا كما اعتنق الصديق

وهل حرجاٌ تراه أو حراماٌ … مشوق ضمه كلف مشوق

وأنشدني غيره:

وماهجرتك النفس يامي أنها … قلتك ولا أن قل منك نصيبها

ولكنهم يا أملح الناس أولعوا … بقول إذا ما جئت: هذا حبيبها

أنها في موضع نصب، وكان التقدير " لأنها " ، فلما حذفت اللام وصلا الفعل، فعمل، تقول: جئتك أنك تحب الخير، فمعناه لأنك، وكذلك أتيتك أن تأمر لي بشيء، أي لأن وتقديره في النصب أن : " أن " الثقيلة واسمها وخبرها مصدر، تقول بلغني أنك منطلق، أي انطلاقك، فإذا قلت: جئتك أنك تريد الخير، فمعناها إرادتك الخير: أي مجيئي لأنك تريد الخير إرادة يافتى، كما قال اشاعر:

وأغفر عوراء الكريم ادخاره … وأعرض عن شتم اللئيم تكرما

قوله:

وأغفرعوراء الكريم ادخاره

أي أدخره ادخاراٌ، وأضافه إليه، كما ثقول: ادخاراٌ له، وكذلك قوله: " تكرماٌ " إنما أراد للتكرم فأخرجه مخرج أتكرم تكرماٌ .

قال أبو العباس : وأنشدني أبو العالية:

مازلت أبغي الحي أتبع ظلهم … حتى دفعت إلى ربيبة هودج

قالت: وعيش أبي وأكبر إخوتي … لأنبهن الحي إن لم تخرج

فخرجت خفية قولها، فتبسمت … فعلمت أن يمينها لم تخرج

فلثمت فاها آخذاٌ بقرونها … شرب النزيف ببرد ماء الحشرج

وزاد فيها الجاحظ عمرو بن بحر:

وتناولت رأسي لتعرف مسه … بمخضب الأطراف غير مشنج

تقول العرب: هودج، وبنو سعد زيد مناة ومن وليهم يقولون فودج. وقوله:

فعلمت أن يمينها لم تحرج

يقول: لم تضق عليها، يقال: حرج يحرج إذا دخل في مضيق والحرجة: الشجر الملتف المتضايق ما بينه، قال الله عز وجل: " فلا يكن في صدرك حرج منه " الأعراف 2 وقال تعالى: " يجعل صدره ضيقاٌ حرجا " الأنعام 125 وقرىء " حرجاٌ " ، فمن قال: " حرجاٌ " أراد التوكيد للضيق، كأنه قال: ضيق شديد الضيق. ومن قال: " حرجاٌ " جعله مصدراٌ، مثل قولك: ضيق ضيقاٌ. وقوله : " ببرد ماء الحشرج " فهو الماء الجاري على الحجارة.

لقيس بن معاذ في النسيب

وقال قيس بن معاذٍ أحد بني عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة وهو المجنون و حدثني عبد الصمد بن المعذل قال: سمعت الأصمعي يثبته ويقول: لم يكن مجنوناٌ، إنما كانت به لوثة كلوثة أبي حية:

ولم أر ليلى بعد موقف ساعةٍ … ببطن منى ترمي جمار المحصب

ويبدي الحصا منها إذا قذفت به … من البرد أطراف البنان المخضب

فأصبحت من ليلى الغداة كناظر … مع الصبح في أعقاب نجم مغرب

ألا إنما غادرت يا أم مالك … صدى أينما تذهب به الريح يذهب

هذا البيت من أعجب ما قيل في النحافة.

ومما يستطرف في هذا الباب قول عمر بن أبي ربيعة:

رأت رجلاٌ أما إذا الشمس عارضت … فيضحى وأما بالعشي فيخصر

أخا سفر جواب أرض تقاذفت … به فلوات فهو أشعثٌ أغبر

قليلاٌ على ظهر المطية ظله … سوى ما نفى عنه الرداء المحبر

ومن هذا الباب قول القائل:

فأصبحت في أقصى البيوت يعدنني … بقية ما أبقين نصلاٌ يمانيا

بقية بدل من الياء في يعدنني بدل الاشتمال

تجمعن من شتى، ثلاثٌ وأربعٌ … وواحدةٌ حتى كملن ثمانيا

يعدن مريضاٌ هن هيجن ما به … ألا إنما بعض العوائد دائيا

وفي هذا الباب أشياء كثيرة تأتي في موضعها إن شاء الله تعالى، ومن الإفراط فيه قوله:

فلو أن ما أبقيت مني معلقٌ … بعود ثمام ما تأود عودها

الثمام: نبت ضعيف، واحدته ثمامة، وهذا متجاوز كقول القائل:

ويمنعها من أن تطير زمامها

٧٧ / ٣٣٦