الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

لأعرابي في الملح

الجزء ١ · صفحة ٧٥

وقوله: " عينٌ " ، إنما هو جمع عيناء، وهي الواسعة العين، وتقديره: " فعل " ، ولكن كسرت العين لتصح الياء، ونحو ذلك بيضاء وبيض، وتقديره حمراء وحمر، ولو كان من ذوات الواو لكان مضموماً على أصل الباب، لأنه لا إخلال فيه، تقول: سوداء وسود، وعور. وقوله: " طرفها ساج " ولم يقل: " أطرافها " لأن تقديرها تقدير المصدر، من طرفت طرفاً، قال الله عز وجل: " ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم " ، البقرة 7 لأن السمع في الأصل مصدر. قال جرير:

إن العيون التي في طرفها مرضٌ … قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

وقوله: " ساج " أي ساكن، قال الله عز وجل: " والضحى والليل إذا سجى " الضحى 1 - 2 وقال جرير:

ولقد رمينك يوم رحن بأعينٍ … يقتلن من خلل الستور سواج

وقال الراجز:

يا حبذا القمراء والليل الساج … وطرقٌ مثل ملاء النساج

وقوله: " حتى تخونها " : يريد تنقصها، يقال: تخونني السفر، أي تنقصني، والداعي: المؤذن.

وقوله: " شحاج " ، إنما هو استعارة في شدة الصوت، وأصله للبغل، والعرب تستعير من بعضٍ لبعض، قال العجاج ينعت حماراً:

كأن في فيه إذا ما شحجا … عوداً دوين اللهوات مولجا

وقال جرير:

إن الغراب بما كرهت لمولعٌ … بنوى الأحبة دائم التشحاج

وقوله: " واتمررت أدراجي " أي فرجعت من حيث جئت، تقول العرب: رجع فلان أدراجه، ورجع في حافرته، ورجع عوده على بدئه، وإن شئت رفعت فقلت: رجع عوده على بدئه، أما الرفع فعلى قولك: رجع وعوده على بدئه، أي وهذه الحاله، والنصب على وجهين: أحدهما أن يكون مفعولاً كقولك: رد عوده على بدئه.، والوجه الآخر أن يكون حالاً في قول سيبويه، لأن معناه رجع ناقضاً مجيئه، ووضع هذا في موضعه.، كما تقول: كلمته فاه إلي في، أي مشافهةً، وبايعته يداً بيدٍ، أي نقداً، ويجوز أن تقول: فوه إلى في: أي وهذه حاله، ومن نصب فمعناه في هذه الحال. قال أبو العباس: فأما " بايعته يداً بيدٍ " فلا يكون فيه إلا النصب، لأنك لست تريد بايعته ويدٌ بيدٍ كما كنت تريد في الأول، وإنما تريد النقد، ولا تبالي: أقريباً كان أم بعيداً.

لأعرابي يشكو حبيبته

ؤقال أعرابي :

شكوت فقالت كل هذا تبرما … بحبي! أراح الله قلبك من حبي

فلما كتمت الحب قال: لشدما … صبرت، وما هذا بفعل شجي القلب

وأدنو فتقصيني فأبعد طالباً … رضاها، فتعتد التباعد من ذنبي

فشكواي تؤذيها وصبري يسوءها … وتجزع من بعدي، وتنفر من قربي

فيا قوم من حيلة تعرفونها؟ … أشيروا بها واستوجبوا الشكر من ربي

قوله: " كل هذا تبرماً " ، مردود على كلامه، كأنها تقول له: أشكوتني كل هذا تبرما ولو رفع رافع " كلا " لكان جيداً، يكون " كل هذا " ابتداء وتبرم خبره.

وشجي مخفف، من شددها فقد أخطأ، والمثل: " ويل للشجي من الخلي " ، الياء في الشجي مخففة، وفي " الخلي " مثقلة، وقياسه أنك إذا قلت: فعل يفعل فعلاً، فالاسم منه على فعل، فرق يفرق فرقاً فهو فرق، وحذر يحذر حذراً فهو حذرٌ، وبطر يبطر بطراً فهو بطرٌ فعلى هذا شجي يشجى شجى فهو شجٍ يا فتى، كما تقول: هوي يهوى فهو هوٍ يا فتى.

وقوله :

فيا قوم هل من حيلة تعرفونها

موضع " تعرفونها " خفضٌ، لأنه نعت للحيلة وليس بجواب، ولو كان ههنا شرط يوجب جواباً لا نجزم، تقول : ائتني بدابة أركبها، أي بدابةٍ مركوبة، فإذا أردت معنى: فإنك إن أتيتني بدابة ركبتها قلت: " أركبها " ، لأنه جواب الأمر، كما أن الأول جواب الاستفهام، وفي القرآن: " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها " التوبة103، أي مطهرة لهم، وكذلك: " أنزل علينا ماءدة من السماء تكون لنا عيداً " المائدة 114 أي كائنة لنا عيداً، وفي الجواب: " فذرهم يخوضوا ويلعبوا " الزخرف 83، أي إن تركوا خاضوا ولعبوا، وأما قوله عز وجل: " ثم ذرهم في خوضهم يلعبون " الأنعام 91 فإنما هو فذرهم في هذه الحال لأنهم كانوا يلعبون، وكذلك: " ولا تمنن تستكثر " المدثر 6، إنما هو " لا تمنن " مستنكثراً فمعنى هذا: هل معروفة عندكم ؟.

لأعرابي في الملح

وقال أعرابي أنشدنيه أبو العالية:

٧٥ / ٣٣٦