الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

لعبيد بن أيوب العنبري

الجزء ١ · صفحة ٩١

له نسب الإنسي يعرف نجره … وللجن منه شكله و شمائله

وقوله:

وصبري عمن كنت ما إن أزايله

إن: زائدة، وهي تزاد مغيرة للإعراب، وتزاد توكيداً، وهذا موضع ذلك، فالموضع الذي تغير فيه الإعراب هو وقوعها بعد " ما " الحجازية، تقول: ما زيدٌ أخاك، وما هذا بشراً، فإذا أدخلت إن هذه بطل النصب بدخولها، فقلت: ما إن زيد منطلق، قال الشاعر:

وما إن طبنا جبنٌ ولكن … منايانا ودولة آخرينا

فزعم سيبويه أنها منعت " ما " العمل كما منعت " ما " إن الثقيلة أن تنصب تقول: إن زيداً منطلق، فإذا أدخلت " ما " صارت من حروف الابتداء، ووقع بعدها المبتدأ وخبره والأفعال، نحو: إنما زيد أخوك، " إنما يخشى الله من عباده العلمؤأ " فاطر28 ولولا " ما " لم يقع الفعل بعد " إن " لأن " إن " بمنزلة الفعل، ولا يلي فعل فعلاً لأنه لا يعمل فيه، فأما كان يقوم زيدٌ، " كاد يزيع قلوب فريق منهم " التوبة 117 ففي كان وكاد فاعلان مكنيان.

و " ما " تزاد على ضربين، فأحدهما أن يكون دخولها في الكلام كإلغائها، نحو " فبما رحمة من الله لنت لهم " آل عمران 159 أي فبرحمة، وكذلك : " مما خطيئتهم أغرقوا " نوح 25 وكذلك " مثلاً ما بعوضةً " البقرة 26 وتدخل لتغيير اللفظ، فتوجب في الشيء ما لولا هي لم يقع، نحو ربما ينطلق زيد، و " ربما يود الذين كفروا " الحجر 2، ولولا " ما " لم تقع رب على الأفعال، لأنها من عوامل الأسماء، وكذلك جئت بعد ما قام زيد، كما قال المرار:

أعلقة أم الوليد بعد ما … أفنان رأسك كالثغام المخلس

فلولا " ما " لم يقع بعدها إلا اسم واحد، وكان مخفوضاً بإضافة " بعد " إليه، تقول: جئتك بعد زيد.

وقوله: " كالصقر جلى " ، تأويل التجلي أن يكون يحس شيئاً فيتشوف إليه، فهذا معنى " جلى " ، قال العجاج :

تجلى البازي إذا البازي كسر

أي نظر، ويقال: تجلى فلانٌ فلانه تجلياً، وأجتلاها اجتلاءً، أي نظر إليها وتأملها، والأصل واحد .

وقوله: " قديراً:، هو ما يطبخ في القدر، يقال: قدير ومقدور، كقولك: قتيل ومقتولٌ .

وقوله: " عبيطاً خرادله " ، فالعبيط الطري، يقال: لحم عبيط إذا كان طرياً، وكذلك دم عبيطٌ، ويقال اعتبط فلان بكرته إذا نحرها شابةً من غير علةٍ وكذلك اعتبط فلان إذا مات شاباً، قال أمية:

من لم يمت عبطة يمت هرماً … للموت كأس فالمرء ذائقها

وحدثني الزيادي إبراهيم بن سفيان بن سليمان بن ابي بكر بن عبد الرحمن ابن زياد.

قال تحدث رجل من الأعراب، قال: نزلت برجل من طيئ، فنحر لي ناقة فأكلت منها، فلما كان الغد نحر أخرى، فقلت: إن عندك من اللحم ما يغني ويكفي، فقال: إني والله لا أطعم ضيفي إلا لحماً عبيطاً، قال: وفعل ذلك في اليوم الثالث وفي كل ذلك آكل شيئاً، ويأكل الطائي أكل جماعةٍ ثم نؤتى باللبن فأشرب شيئاً، ويشرب عامة الوطب، فلما كان في اليوم الثالث ارتقبت غفلته فاضطجع، فلما امتلأ نوماً استقت قطيعاً من إبله فأقبلته الفج، فانتبه واختصر علي الطريق حتى وقف لي في مضيق منه، فألقم وتره فوق سهمه، ثم نادى بي: لتطب نفسك عنها قلت أرني آية، فقال. انظر إلى ذلك الضب، فإني واضع سهمي في مغرز ذنبه، فرماه فأندر ذنبه، فقلت زدني، فقال: انظر إلى أعلى فقاره، فرماه فأثبت سهمه في الموضع، ثم قال لي: الثالثة والله في كبدك فقلت: شأنك بإبلك فقال: كلا حتى تسوقها إلى حيث كانت. قال: فلما انتهيت بها قال: فكرت فيك فلم أجد لي عندك ترة تطالبني بها، وما أحسب الذي حملك على أخذ إبلي إلا الحاجة. قال: قلت هو والله ذاك. قال: فاعمد إلى عشرين من خيارها فخذها، فقلت : إذاٌ والله لاأفعل حتى تسمع مدحك: والله ما رأيت رجلاٌ أكرم ضيافةٌ، ولا أهدى لسبيلٍ، ولا أرمى كفاٌ، ولا أوسع صدراٌ، ولا أرغب جوفاٌ، ولا أكرم عفواٌ منك قال: فاستحيا فصرف وجهه عني، ثم قال: انصرف بالقطيع مباركاٌ لك فيه وقوله: " خرادله " يعني قطعه، يقال: ضرباٌ خردله، وتأويله قطعه، كما قال:

والضرب يمضي بيننا خرادلا

وقوله: " أهابوا به " ، يقول: دعوه، يقال: أية به، وأهاب به: أي ناداه، قال القرشي:

أهاب بأحزان الفؤاد مهيب … وماتت نفوس للهوى وقلوب

٩١ / ٣٣٦