كتاب معاوية إلى علي
الجزء ١ · صفحة ٨٦وقد يهلك الإنسان من باب أمنه … وينجو بإذن الله من حيث بحذر
وقال الله عز وجل: " فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً " النساء : 19.
وقال رجل لمعاوية: والله لقد بايعتك وأنا كاره، فقال معاوية: قد جعل الله في الكره خيراً كثيراً .
وقوله :
ولا خير فيمن لا يوطن نفسه … على نائبات الدهر حين تنوب
نظيره قول كثير :
أقول لها يا عز كل مصيبةٍ … إذا وطنت يوماً لها النفس ذلت
وكان عبد الملك بن مروان يقول: لو كان قال هذا البيت في صفة الحرب لكان أشعر الناس .
وحكي عن بعض الصالحين أن ابناً له مات فلم ير به جزعٌ، فقيل له في ذلك، فقال : هذا أمر كنا نتوقعه، فلما وقع لم ننكره.
باب
جرير بن عبد الله البجلي عند معاوية
قال أبو العباس: وجه علي بن أبي طالب رضي الله عنه جرير بن عبد الله البجلي إلى معاوية رحمه الله يأخذه بالبيعة له، فقال له: إن حولي من ترى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، ولكني اخترتك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيك: " خير ذي يمن " ، إيت معاوية فخذه بالبيعة، فقال جرير: والله ياأمير المؤمنين ما أدخرك من نصرتي شيئاً، وما أطمع لك في معاوية، فقال علي رضي الله عنه: إنما قصدي حجة أقيمها عليه، فلما إتاه جرير دافعه معاوية، فقال له جريرٌ: إن المنافق لا يصلي حتى لا يجد من الصلاة بداً، ولا أحسبك تبايع حتى لا تجد من البيعة بداً فقال له معاوية: إنها ليست بخدعة الصبي عن اللبن إنه أمر له ما بعده، فأبلعني ريقي. فناظر عمراً، فطالت المناظرة بينهما، وألح عليه جرير، فقال له معاوية: ألقاك بالفصل في أول مجلس إن شاء الله تعالى.
ثم كتب لعمرو بمصر طعمة، وكتب عليه: " ولا ينقض شرطٌ طاعة " ، فقال عمرو: يا غلام اكتب، ولا تنقض طاعة شرطاً، فلما اجتمع له أمره رفع عقيرته ينشد ليسمع جريراً:
تطاول ليلي واعترتني وساوسي … لآتٍ أتى بالترهات البسابس
أتاني جريرٌ والحوادث جمةٌ … بتلك التي فيها اجتداع المعاطس
أكايده والسيف بيني وبينه … ولست لأثوب الدني بلابس
إن الشأم أعطت طاعةً بمنية … تواصفها أشياخها في المجالس
فإن يفعلو أصدم علياً بجبهةٍ … تفت عليه كل رطبٍ ويابس
وإني لأرجو خير ما نال نائلٌ … وما أنا من ملك العراق بيائس
كتاب معاوية إلى علي
وكتب إلى علي رضي الله عنه: بسم الله الرحمن الرحيم، من معاوية بن صخر إلى علي بن أبي طالب : أما بعد: فلعمري لو بايعك القوم الذين بايعوك وأنت بريء من دم عثمان كنت كأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين، ولكنك أغريت بعثمان المهاجرين، وخذلت عنه الأنصار، فأطاعك الجاهل، وقوي بك الضعيف. وقد أبى أهل الشام إلا قتالك حتى تدفع إليهم قتلة عثمان، فإن فعلت كان شورى بين المسلمين. ولعمري ما حجتك علي كحجتك على طلحة والزبير، لأنهما بايعاك ولم أبايعك. وما حجتك على أهل الشام كحجتك على أهل البصرة لأن أهل البصرة، أطاعوك ولم يعطك أهل الشام، وأما شرفك في الإسلام، وقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعك من قريش فلست أدفعه. ثم كتب في كتاب إليه في آخر الكتاب بشعر كعب بن جعيل، وهو:
أرى الشأم تكره ملك العراق … وأهل العراق لهم كارهيناً
وكلا لصاحبه مبغضاً … يرى كل ما كان من ذاك دينا
إذا ما رمونا رميناهم … ودناهم مثل ما يقرضونا
فقالوا: علي إمامٌ لنا … فقلنا: رضينا ابن هند رضينا
وقالوا: نرى أن تدينوا له … فقلنا: ألا لا نرى أن ندينا
ومن دون ذلك خرط القتاد … وضربٌ وطعنٌ يقر العيونا
وأحسن الروايتين: " يفض الشؤونا " . وفي آخر هذا الشعر ذم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه أمسكنا عن ذكره.