الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

من أخبار حارثة بن بدر الغداني

الجزء ١ · صفحة ٨٣

فلا تنكحي إن فرق الدهر بيننا … أغم القفا والوجه ليس بأنزعا

والعرب تكره الغمم. والبهيم: الذي لا يخلط لونه غيره من أي لون كان .

وقولها:

ألم تر أن الناب تحلب علبة

تقول فيها منفعة على حال، والعلبة: إناء لهم من جلود يحلبون فيه، من ذلك قوله:

لم تتلفع بفضل مئزرها … دعدٌ، ولم تغد بالعلب

ومن أمثال العرب: " قد تحلب الضجور العلبة " ، يضربون ذلك للرجل البخيل الذي لا يزال ينال منه الشيء القليل، والضجور: الناقة السيئة الخلق، إنما تحلب حين تطلع عليها الشمس فتطيب نفسها، والثلب: الذي قد انتهى في السن من الإبل .

من أقوالهم في الفقر و الغنى

وقال آخر :

لم أر مثل الفقر أوضع للفتى … ولم أرى مثل المال أرفع للرذل

ولم أر عزاً لامرئ كعشيرةٍ … ولم أر ذلاً مثل نأي عن الأصل

ولم أر من عدم أضر على امرئٍ … إذا عاش بين الناس من عدم العقل

وقال آخر :

لعمري، لقوم المرء خير بقيةٍ … عليه، وإن عالوا به كل مركب

من الجانب الأقصى وإن كان ذا غنى … جزيل ولم يخبرك مثل مجرب

وإن خبرتك النفس أنك قادرٌ … على ما حوت أيدي الرجال فكذب

إذا كنت في قومٍ عداً لست منهم … فكل ما علفت من خبيثٍ وطيب

العدا: الغرباء في هذا الموضع، ويقال للأعداء عداً، والعداة الأعداء لا غير.

وقال أعرابي من باهلو:

سأعمل نص العيس حتى يكفني … غنى المال يوماً أو غنى الحدثان

فللموت خيرٌ من حياة يرى لها … على المرء ذي العلياء مس هوان

متى يتكلم يلغ حكم مقاله … وإن لم يقل قالوا عديم بيان

كأن الغنى في أهله بورك الغنى … بغير لسانٍ ناطقٌ بلسان

من أخبار حارثة بن بدر الغداني

ونظير هذا الشعر ما حدثنا به في أمر حارثة بن بدرٍ الغداني، فإنا حدثنا عن حارثة بن بدر، وكان رجل بني تميم في وقته. وكان قد غلب على زيادٍ، وكان الشراب قد غلب عليه، فقيل لزيادٍ: إن هذا قد غلب عليك وهو مستهترٌ بالشراب، فقال زياد: كيف لي بأطراح رجلٍ هو يسايرني منذ دخلت العراق، لم يصكك ركابي ركباه، ولا تقدمني فنظرت إلى قفاه، ولا تأخر عني فلويت عنقي إليه، ولا أخذ علي الشمس في شتاءٍ قط، ولا الروح في صيف قط، ولا سألته عن علم إلا ظننت أنه لم يحسن غيره. فلما مات زيادٌ جفاه عبيد الله، فقال له حارثة: أيها الأمير، ما هذا الجفاء مع معرفتك بالحال عند أبي المغيرة فقال له عبيد الله: إن أبا المغيرة كان قد برع بروعاً لا يلحقه معه عيب، وأنا حدثٌ، وإنما أنسب إلى من يغلب علي، وأنت رجل تديم الشراب، فمتى قربتك فظهرت رائحة الشراب منك لم آمن أن يظن بي، فدع النبيذ وكن أول داخل علي وآخر خارج عني، فقال له حارثة: أنا لا أدعه لمن يملك ضري ونفعي، أفأدعه للحال عندك قال : فاختر من عملي ما شئت، قال: توليني رامهرمز، فإنها أرض عذاةٌ، وسرق فإن بها شراباً وصف لي. فولاه إياهما، فلما خرج شيعه الناس، فقال أنس بن أبي أنيس:

أحار بن بدرٍ قد وليت إمارةً … فكن جرذاً فيها تخون وتسرق

ولا تحقرن يا حار شيئاً وجدته … فحظك من ملك العراقين سرق

وباه تميماً بالغنى إن للغنى … لساناً به المرء الهيوبة ينطق

فإن جميع الناس، إما مكذبٌ … يقمل بما يهوى وإما مصدق

يقولون أقوالاً ولا يعلمونها … ولو قيل: هاتوا حققوا لم يحققوا

ورثى حارثة بن بدرٍ زياداً وكان زياد مات بالكوفة، ودفن بالثوية فقال:

صلى الله على قبر وطهره … عند الثوية يسفي فوقه المور

زفت إليه قريشٌ نعش سيدها … فثم كل التقى والبر مقبور

أبا المغيرة والدنيا مفجعةٌ … وإن من غرت الدنيا لمغرور

وقد كان عندك بالمعروف معرفةٌ … وكان عندك للنكراء تنكير

وكنت تغشي وتعطي المال من سعةٍ … إن كان بيتك أضحى وهو مهجور

٨٣ / ٣٣٦