خطبة الحجاج حين قدم أميرا على العراق
الجزء ١ · صفحة ١٠١لاتكسع الشول بأغبارها
فإن العرب كانت تنضح على ضروعها الماء البارد ليكون أسمن لأولادها التي في بطونها. والغبر: بقية اللبن في الضرع، فيقول: لاتبق ذلك اللبن لسمن الأولاد، فإنك لاتدري من ينتجها، فلعلك تموت، فتكون للوارث أو يغار عليها .
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ابن آدم مالي مالي، وما من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت " .
ويرى عن بعضهم أنه قال: إني أحب البقاء، وكالبقاء عندي حسن الثناء. وأنشد أبو عثمان عمرو بن الجاحظ:
فإذا بلغتم أرضكم فتحدثوا … ومن الحديث متالف وخلود
وأنشد :
فأثنوا علينا لاأبا لأبيكم … بأفعالنا، إن الثناء هو الخلد
وقال معاوية لابن الأشعث بن قيس: ما كان قيس بن معد يكرب أعطى الأعشى ؟ فقال : أعطاه مالاٌ، وظهراٌ، ورقيقاً، وأشياء أنسيتها، فقال معاوية: لكن ما أعطاكم الأعشى لا ينسىوقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لابنة هرم بن سنان المري: ما وهب أبوك لزهير ؟ فقالت: أعطاه مالاٌ وأثاثاٌ أفناه الدهر. فقال عمر: لكن ما أعطاكموه لا يفنيه الدهر .
وقال المفسرون في قول الله عز وجل عن ابراهيم صلوات الله عليه: " وآجعل لى لسان صدق في الأخرين " الشعراء 84 أي ثناء حسناٌ، وفي قوله تعالى: " وتركنا عليه في الأخرين سلم على إبراهيم " الصافات 108 - 109 أي يقال له هذا في الآخرين. والعرب تحذف هذا الفعل من " قال " ويقول " استغناءٌ عنه، قال الله عز وجل: " فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمنكم " آل عمران 106، أي فيقال لهم. ومثله: " والذين اتخدوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى " الزمر 3 أي يقولون، وكذلك: " والملكة يدخلون من كل باب سلم عليكم " الرعد 23 - 24
باب
من خطبة لعلي بن أبي طالب
قال أبو العباس: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في خطبة له: أيها الناس، اتقوا الله الذي إن قلتم سمع، وإن أضمرتم علم. وبادروا الموت الذي إن هربتم منه أدرككم، وإن أقمتم أخذكم .
خطبة الحجاج حين قدم أميراٌ على العراق
قال: وحدثني التوزي في إسناد ذكره آخره عبد الملك بن عمير الليثي، قال: بينما نحن في المسجد الجامع بالكوفة، وأهل الكوفة يومئذ ذوو حالٍ حسنةٍ، يخرج الرجل منهم في العشرة والعشرين من مواليه، إذ أتى آتٍ فقال :هذا الحجاج قدم أميراٌ على العراق. فإذا به قد دخل المسجد معتماٌ بعمامة غطى بها أكثر وجهه، متقلداٌ سيفاً، متنكباٌ قوساٌ، يؤم المنبر، فقام الناس نحوه، حتى صعد المنبر، فمكث ساعة لا يتكلم، فقال الناس بعضهم لبعض: قبح الله بني أمية حيث تستعمل مثل هذا على العراق حتى قال عمير بن ضابيء البرجمي: ألاأحصبه لكم ؟ فقالوا: أمهل حتى ننظر، فلما رأى عيون الناس إليه حسر اللثام عن فيه ونهض وقال:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا … متى أضع العمامة تعرفوني
ثم قال: يا أهل الكوفة، إني لأرى رؤوساٌ قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها، وكأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى، ثم قال :
هذا أوان الشد فاشتدي زيم … قد لفها الليل بسواق حطم
ليس برلعي إبلٍ ولا غنم … ولا بجزارٍ على ظهر وضم
ثم قال :
قد لفها الليل بعصلبي … أروع خراج من الدوي
مهاجر ليس بأعرابي
وقال :
قد شمرت عن ساقها فشدوا … وجدت الحرب بكم فجدوا
والقوس فيها وترٌ عرد … مثل ذراع البكر أو أشد
لابد مما ليس منه بد