الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

شيخ من الأعراب وامرأته

الجزء ١ · صفحة ٨٢

هل الجود إلا أن تجود بأنفسٍ … على كل ماضي الشفرتين قضيب

وما خير عيشٍ بعد قتل محمدٍ … ويعد يزيد والحرون حبيب

ومن هو أطراف القنا خشية الردى … فليس لمجدٍ صالح بكسوب

وما هي إلا رقدة تورث العلا … لرهطك ما حنت روائم نيب

وقوله ؛

ومن هر أطراف القنا خشية الردى

يقول: من كره، قال عنترة بن شداد :

خلفت لهم والخيل تردى بنا معاً … نفارقهم حتى يهروا العواليا

عوالي زرقاً من رماح ردينةٍ … هرير الكلاب يتقين الأفاعيا

والردى: الهلاك، وأكثر ما يستعمل في الموت. يقال: ردي يردى ردًى، قال الله عز وجل: " وما يغنى عنه ماله إذا تردى " الليل 11، وهو " تفعل " من الردى في أحد التفسيرين، وقيل: إذا تردى في النار، أي إذا سقط فيها.

وقوله: " الحرون " فإن حبيب بن المهلب كان ربما انهزم عنه أصحابه فلا يريم مكانه، فكان يلقب الحرون .

وقوله:

وما هي إلا رقدة تورث العلا

فهذا مأخوذ من قول أخيه يزيد بن المهلب، وذلك أنه قال في يوم العقر وهو اليوم الذي قتل فيه : قاتل الله ابن الأشعث ما كان عليه لو غمض عينيه ساعة للموت، ولم يكن قتل نفسه وذلك أن ابن الأشعث قام في الليل وهو في سطح، للبول، فزعموا أنه ردى نفسه، وغير أهل هذا القول يقولون: بل سقط منه بسنة النوم .

وقوله: " تورث العلا لرهطك " فالمعنى تورث العلا رهطك، وهذه اللام تزاد في المفعول على معنى زيادتها في الإضافة، تقول: هذا ضاربٌ زيداً، وهذا ضاربٌ لزيدٍ، لأنها لا تغير معنى الإضافة إذا قلت: هذا ضارب زيدٍ وضارب له.

وفي القرآن: " وأمرت لأن أكون أول المسلمين " الزمر12. وكذلك " إن كنتم للرءيا تعبرون " يوسف43 ويقول النحويون في قوله تعالى: " قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون " النمل 72 إنما هو " ردفكم " والنيب : جمع ناب، وهي المسنة من الإبل، وتقديرها " فعل " ساكنة، وأبدلت من الضمة كسرة لتصح الياء، كما قلت في أبيض: بيضٌ، وإنما هو مثل أحمر وحمرٍ، وكذلك أشيب وشيبٌ، فتقدير ناب ونيب إذا جاء على " فعل " و " فعل " تقدير أسد وأسدٍ، ووثنٍ ووثن، وناب تقديرها " فعلٌ " وإنما انقلبت الباء ألفاً فسكنت، وإنما تنقلب إذا كانت في موضع حركة. والروائم قد مضى تفسيرها .

شيخ من الأعراب وامرأته

وأنشدني الزيادي قال :أنشدني أبو زيد، نظر شيخٌ من الأعراب إلى امرأته تتصنع وهي عجوز فقال:

عجوز ترجي أن تكون فتيةٌ … وقد لحب الجنبان واحدودب الضهر

تدس إلى العطار سلعة بيتها … وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر

قال أبو الحسن: وزادني غير أبي العباس في شعر هذا الأعرابي:

وماغرني إلا خضابٌ بكفها … وكحل بعينيها وأثوابها الصفر

وجاؤوا بها قبل المحاق بليلةٍ … فكان محاقاً كله ذلك الشهر

قال: فقالت له امرأته:

ألم تر أن الناب تحلب علبةٌ … ويترك ثلب، لا ضرابٌ ولا ظهر

قال: ثم استغاثت بالنساء. وطلب الرجال فإذا هم خلوفٌ، فاجتمع النساء عليه فضربنه.

قوله: " قد لحب الجنبان " ،يقول: قل لحمهما، يقال :بعير ملحوبٌ وقد لحب مثل عرق.

وقوله:

تدس إلى العطار سلعة بيتها

يريد السويق والدقيق وما أشبه ذلك، وكل عرضٍ فالعرب تقول له: سلعة، أنشدني عمارة بن عقيل شعراٌ يمدح به خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني ويذم تميم ابن خزيمة بن حازم النهشلي:

أأترك إن قلت دراهم خالدٍ … زيارته؟ إني إذاٌ للئيم

وقد يسلع المرء اللئيم اصطناعه … ويعتل نقد المرء وهو كريم

فتى واسطٌ في ابني نزارٍ، مجببٌ … إلى ابني نزارٍ، في الخطوب عميم

فليت ببرديه لنا كان خالدٌ … وكان لبكرٍ في الثراء تميم

فيصبح فينا سابقٌ متمهلٌ … أغر، وفي بكرٍ أغم بهيم

قوله :

وقد يسلع المرء اللئيم اصطناعه

أي يكثر سلعته لا صطناعه.

وقوله: " أغم بهيم " ، فالغم كثرة شعر الوجه والقفا، قال هذبة بن خشرمٍ العذري:

٨٢ / ٣٣٦