الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

لرجل يخاطب آخر اسمه دد

الجزء ١ · صفحة ٩٧

قتلنا أخانا للوفاء بجارنا

فيكون على ضربين: أحدهما أن يكون فخم نفسه وعظمها، فذكرها باللفظ الذي يذكر الجميع به، والعرب تفعل هذا ويعد كبراً، ولا ينبغي على حكم الإسلام أن يكو هذا مستعملاً إلا عن الله عز وجل، لأنه ذو الكبرياء، كما قال الله تبارك وتعالى: " إنا أنزلنه في ليلة القدر " القدر1 و " إنا أوحينا إليك " النساء 163، وكل صفات الله أعلى الصفات وأجلها، فما استعمل في المخلوقين على تلك الألفاظ وإن خالفت في الحكم فحسن جميل، كقولك: في فلان عالم، وفلان قادرٌ، وفلان رحيم، وفلان ودودٌ، إلا ما وصفنا قبل من ذكر التكبر، فإنك إذا قلت: فلان جبار أو متكبر كان عليه عيباً ونقصاً، وذلك لمخالفة هاتين الصفتين الحق. وبعدهما من الصواب، لأنهما للمبدئ المعيد الخالق البارئ، ولا يليق ذلك بمن تكسره الجوعة، وتطغيه الشبعة، وتنقصه اللحظة، وهو في كل أموره مدبرٌ. وأما القول الآخر في البيت وهو " قتلنا أخانا " فمعناه أنه له ولمن شايعه من عشيرته .

وأما قولها:

ومن يقتل أخاه فقد ألاما

تقول: أتى ما يلازم عليه، يقال: ألام الرجل إذا تعرض لأن يلام.

باب

مما أنشد أبو محلم السعدي

قال أبو العباس: انشدني السعدي أبو محلمٍ:

إنا سألنا قومنا فخيارهم … من كان أفضلهم أبوه الأول

أعطى الذي أعطى أبوه قبله … وتبخلت أبناء من يتبخل

وأنشدني أيضاً:

لطلحة بن حبيب حين تسأله … أندى وأكرم من فند بن هطال

وبيت طلحة في عز ومكرمةٍ … وبيت فندٍ إلى ربقٍ وأحمال

ألا فتى من بني ذبيان يحملني … وليس يحملني إلا ابن حمال

فقلت طلحة أولى من عمدت له … وجئت أمشي إليه مشي مختال

مستيقناً أن حبلي سوف يعلقه … في رأس ذيالةٍ أو رأس ذيال

قوله: " إلى ربق وأحمال " ، إنما أراد جمع حملٍ على القياس، كما تقول في جميع باب فعل: جملٌ وأجمالٌ، وصنمٌ وأصنامٌ .

وقوله :

ألا فتى من بني ذبيان يحملني

يعني ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر، وأنشد بعضهم:

وليس حاملني إلا ابن حمال

وهذا لايجوز في الكلام، لأنه إذا نون الاسم لم يتصل به المضمر، لأن المضمر لا يقوم بنفسه، فإنما يقع معاقباً للتنوين، تقول: هذا ضارب زيداً غداً، وهذا ضاربك غداً، ولا يقع التنوين ههنا، لأنه لو وقع لا نفصل المضمر، وعلى هذا قول الله تعالى: " إنا منجوك وأهلك " العنكبوت33. وقد روى سيبويه يتين محمولين على الضرورة، وكلاهما مصنوع، وليس أحد من النحويين المفتشين يجيز مثل هذا في الضرورة، لما ذكرت من انفصال الكناية، والبيتان اللذان رواهما سيبويه :

هم القائلون الخير والأمرونه … إذا مال خشوا يوماً من الأمر معظما

وأنشد :

ولم يرتفق والناس محتضرونه … جميعاً وأيدي المعتفين رواهقه

وإنما جاز أن تبين الحركة إذا وقفت في نون الاثنين والجميع لأنه لا يلتبس بالمضمر، تقول: هما رجلانه، وهم ضاربوه، إذا وقفت، لأنه لا يلتبس بالمضمر إذ كان لا يقع هذا الموقع، ولا يجوز، تقول ضربته، وأنت تريد ضربت، والهاء لبيان الحركة، لأن المفعول يقع في هذا الموضع، فيكون لبساً، فأما قولهم: ارمه واغزه فتلحق الهاء لبيان الحركة، فإنما جاز ذلك لما حذفت من أصل الفعل، ولا يكون في غير المحذوف .

وقوله: " في رأس ذيالة " ، يعني فرساً أنثى أو حصاناً، والذيال: الطويل الذنب، وإنما يحمد منه طول شعر الذنب، وقصر العسيب، واما الطويل العسيب فمذموم، ويقال ذلك للثور ايضاً أعني ذيالاً، قال امرؤ القيس:

فجال الصوار واتقين بفرهب … طويل القرا والروق أخنس ذيال

ويقال أيضاً للرجل: ذيالٌ إذا كان يجر ذيله اختيالاً، ويقال له: فضفاضٌ في ذلك المعنى.

من كلام عمر بن عبد العزيز

ويروى عن عمر بن عبد العزيز أنه قال لمؤدبه: كيف كانت طاعتي إياك وأنت تؤدبني؟ فقال أحسن طاعةٍ. قال: فأطعني الآن كما أطيعك إذ ذاك خذ من شاربك حتى تبدو شفتاك، ومن ثوبك حت تبدو عقباك .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فضل الازار في النار " .

لرجل يخاطب آخر اسمه دد

٩٧ / ٣٣٦