الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

حديث السواقط

الجزء ١ · صفحة ٩٥

وقوله : " لا يستقرض من عوزٍ " ، فالعوز: تعذر المطلوب، يقال: أعوز فلان فهو معوز إذا لم يجد، والمعاوز في غير هذا الموضع: الثياب التي تبتذل ليصان بها غيرها .

وقوله: " ولكن ليبلوا الأخيار " ، يقال: الله يبلوهم ويبتليهم ويختبرهم في معنى، وتأويله: يمتحنهم، وهو العالم عز وجل بما يكون كعلمه بما كان، قال ال جلله ثناؤه " ليبلوكم أيكم أحسن عملا " هود 7 قال: وحدثني أبو عثمان المازني قال: رأيت أبا فرعون العدوي، ومعه ابنتاه، وهو في سكة العطارين بالبصرة يقول :

بنيتي صابرا أباكما … إنكما بعين من يراكما

الله ربي سيدي مولاكما … ولو يشاء عنهم أغناكما

وكان أبو فرعون، وهو من بني عدي بن الرباب بن عبد مناة بن أد، وقال اليزيدي: هو مولاهم وكان فصيحاً، وقدم قوم من الأعراب البصرة من أهله، فقيل له: تعرض لمعروفهم، فقال:

ولست بسائل الأعراب شيئاً … حمدت الله إذ لم يأكلوني

؟حديث رجل من الصيارفة افتقر

وروى الأسدي أنه افتقر أنه رجل من الصيارفة بإلحاح الناس في أخذ أموالهم التي كانت لهم لديه، وتعذر أمواله التي كانت له عند الناس، فسأل جماعة من الجيران أن يصيروا معه إلى رجل من قريش كان موسراٌ من أولاد أجوادهم ليسد من خلته، فصاروا إليه، فجلسوا في الصحن، فخرج إليهم يخطر بقضيب في يده، حتى ثنى وسادةٌ فجلس عليها، فذكروا حاجتهم وخلة صاحبهم، مع قديم نعمته وقريب جواره، فخطر بالقضيب . ثم قال متمثلاٌ :

إذا المال لم يوجب عليك عطاءه … صنيعة تقوى أو صديق توامقه

بخلت وبعض البخل حزم وقوة … فلم يفتلذك المال إلاحقائقه

ثم أقبل على القوم، فقال: إنا والله ما نجمد عن الحق، ولا نتدفق في الباطل، وإن لنا لحقوقاٌ تشغل فضول، وما كل من أفلس من الصيارفة احتلنا لجبره، قوموا رحمكم الله قال: فابتدر القوم الأبواب.

قوله : " فلم يفتلذك المال " ، يقول : لم يقتطع منك، يقال فلذ له من العطاء: أي قطع له، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدرٍ حين قال الغلامان: في القوم عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام بن هشام، وأمية بن خلف وفلان وفلان، فقال رسول الله صلى عليه وسلم : " هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها " .

وقال أبو قحافة أعشى باهلة يعني المنتشر بن وهب الباهلي:

تكفيه فلذة كبدٍ إن ألم بها … من الشواء ويكفي شربة الغمر

رجل من أزد شنوءة

بين يدي عتبة بن أبي سفيان

قال عبد الملك بن عمير، استعمل عتبة بن أبي سفيان رجلاٌ من آله على الطائف، فظلم من أزد شنوءة، فأتى الأزدي عتبة، فمثل بين يديه، فقال :

أمرت من كان مظلوماٌ ليأتيكم … فقد أتاكم غريب الدار مظلوم

ثم ذكر ظلامته، فقال له عتبة: إني أراك أعرابياً جافياً، والله ما أحسبك تدري كم تصلي في كل يوم وليلة فقال: أرأيت إن أنبأتك ذلك، أتجعل لي عليك مسألة؟ قال نعم، فقال الأعرابي :

إن الصلاة أربع وأربع … ثم ثلاث بعدهن أربع

ثم صلاة الفجر لا تضيع

فقال: فاسأل: فقال: كم فقار ظهرك فقال: لا أدري، فقال: أفتحكم بين الناس وأنت تجهل هذا من نفسك قال: ردوا عليه غنيمته .

قوله: " فقار " ، إنما هو جمع فقارة، ويقال فقرة، فمن قال في الواحدة فقرة قال في الجميع: فقر، كسرة وكسر، ومن قال للواحدة: فقارة، قال للجميع: فقارٌ، كقولك دجاجة ودجاج، وحمامة وحمامٌ .

أعرابي عند معاوية

وشهد أعرابي عند معاوية بشيء كرهه، فقال له معاوية: كذبت فقال الأعرابي: الكاذب والله متزمل في ثيابك. فقال معاوية وتبسم:هذا جزاء من عجل .

حديث السواقط

قال أبو العباس: قرأت على عبد الله بن محمد المعروف بالتوزي عن أبي عبيدة معمر بن المثنى التيمي، قال: كانت السواقط ترد اليمامة في الأشهر الحرم لطلب التمر، فإن وافقت ذلك، وإلا أقامت بالبلد إلى أوانه، ثم تخرج منه في شهر حرام، فكان الرجل منهم إذا قدم يأتي رجلً من بني حنيفة، وهم أهل اليمامة، أعني بني حنيفة بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط ابن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربعة بن نزار

٩٥ / ٣٣٦