مقدمة المؤلف رحمه الله
الجزء ١ · صفحة ٨وبعد : فانه لما امتحن الضعفاء من المسلمين لفقد علمائهم في الدين ، عظمت عند ذلك المحنة ، وانفتحت عليهم أبواب الفتنة ، وانطلقت عليهم ألسنة كانت محجوزة ، وظهرت صغائر كانت مستورة ، وانتصبت رؤوس كانت منكوسة ، ومشت أرجل كانت مكبلة ، وانبسطت أيد كانت مغلولة ، وكثر المدعون للعلم بعد أن كان أهل العلم قليلا ، واستجد في الادعاء للعلم من كان لسانه عن النطق به كليلا ، وعز مع أهل العمى بادعاء العلم من كان عند العلماء ذليلا ، وظهر من بعض من ينحل نفسه العلم ولعهم في الحكم والحلم ، على ما يدل عليه بذلك لحن المقال ، ويبين عليه في ذلك في عائم الأحوال ، بأنه يحب لنفسه في ذلك الإظهار ، ويطلب لها الرفعة والإشهار ، ويذهب بها في ذلك إلى العلو والاستكبار ، ولا يجوز في ذلك على أحد من أهل الإسلام تحقيق الظنون .
والله - سبحانه - هو الشاهد على الضمائر والمكنون . غير أننا نكني عن ذكر كثير من تلك الأسباب التي يكثر بذكرها الخطاب ، ويطول بوصفها الكتاب ، ويورث بيننا الإحن والأعتاب ، ولا يبلغ بها إلى فائدة ولا شفاء .
وفي بعض ما قد ذكرنا منها ، وأوضحنا من أحوالها دليل ومكتفى ، ونأخذ في ذكر ما فيه الفائدة والمحصول ، وما تجرى عليه عامة تلك الأسباب من الأصول .