البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الأطروحة) فرحات بن علي الجعبيري

البعد الحضاري لهذا التراث

الجزء ١ · صفحة ١٧٢

فخلاصة الحديث عن هذه القرون التسعة أن التراث الإباضي فيها حرص على رعاية البذرات الأولى في أصول الدين النابعة من فهم الأئمة لكتاب الله تعالى ولسنة رسوله صلى الله عليه وسلم . فظلت هذه البذرة تنمو من القرن الأول هـ شيئا فشيئا إلى أن آتت أكلها في القرن السادس هـ. وقد استطاعت وارجلان عاصمة الإباضية الثانية بعد سقوط تاهرت أن تباهي العواصم الإسلامية الأخرى بما ظهر فيها من شتى العلوم،ويهمنا منها في هذا البحث خاصة علم أصول الدين، وفعلا يعتبر هذا القرن قمة مرحلة من مراحل الفكر الإباضي في أصول الدين وبداية مرحلة جديدة ذلك لأن أسس هذا الفكر تكاملت حججه النقلية والعقلية، والناظر في التراث الذي جاء بعد القرن السادس هـ يدرك حقيقة ما نقول، إذ لا يخلو مصدر من مصادره من الإحالة على كتاب الموجز أو الدليل والبرهان.

أما المرحلة الموالية- من القرن السادس هـ الى نهاية القرن التاسع- فقد اهتم فيها الإباضية خاصة بسيرهم وفقههم وإن لم يسكتوا عن أصول الدين، ورأوا أن المختصرات فيها تقرب ما جاء منظرا محللا في ما سبق، مع شرحين موسعين في الأصول هما شرح الجيطالي لنونية أبي نصر وقد انتقد في ما بعد بأنه اشتغل بالقضايا الأدبية اللغوية أكثر من اشتغاله بالقضايا الأصولية وشرح البرادي للدعائم وعليه نحيل في تعريف الإباضية لعلم الكلام، والبرادي ظهر حذقه في الحرص على التعريف المدقق للمصطلحات وفي هذا المحيط تتنزل رسالته الموسومة بـ " رسالة الحقائق" وهي على اختصارها قد أمدت المدرسة الإباضية بقاموس مهم في التعريفات ويهمنا خاصة تعريف المصطلحات الأصولية وقد وجدنا أن كل التراث الذي جاء بعد هذه المرحلة يعتمد على هذه التعريفات اعتمادا كليا وصريحا.

=======================

١٧٢ / ٧٤٦