حكم القائلين بالرؤية:
الجزء ١ · صفحة ٣٢٠كما أن هذا التراث الإسلامي بطرفيه المؤازرة لإمكانية الرؤية والمعارض لهذه الامكانية حاول أن يدلي بحجج عقلية تؤازر هذا الموقف أو ذاك والإباضية في هذا تعايشوا مع الفكر الاعتزالي وأخذوا منه الكثير لكن دون أن يذوبوا في خضمه إذ لم يصلوا إلى تقديم العقل على النقل كما يفعل المعتزلة بل اعتبروا أن حجة الله هي السماع في الدرجة الأولى وكذلك كان الأمر بالنسبة إلى الفكر الشيعي. أما الأشاعرة وإن حاولوا البعد عن الفكر الاعتزالي فقد اضطروا إلى أن يتبنوا منهجه العقلي للدفاع عن مواقفهم ولنشأة الأشعري الاعتزالية أثر كبير في تفكيره وإن أقر لنفسه رأيا خاصا خالف به شيوخه والمدرسة التي نشأ فيها. ومهما يكن من أمر فقد اعترف كل من الإباضية والأشاعرة والماتريدية أن الحجة العقلية مهما ارتقت تبقى هزيلة في موضوع الرؤية وذلك يفهم عقلا لأن البصر في هذه القضية وهو طاقة محدودة يريد أن يبصر الله تعالى الذي يتفق المسلمون على أنه لا يمكن أن يحد.
وغاية ما نقول في البعد الحضاري لهذا الاحتجاج العقلي أنه خرج في مرحلته الأخيرة من مستوى المعقول إلى مستوى اللامعقول، وذلك بتصور حاسة سادسة أو إدراك آخر أو أن تكون الرؤية بلا كيف والحقيقة أن التراث الإباضي اتخذ هذه الحلول منطلقا للسخرية من الطرف الآخر كما فعل المعتزلة ومهما قلنا في هذا الشأن يبقى التصور العقلي المجرد الذي ينطلق من منطلق تنزيه الله تعالى وعظمته أقرب الى استحالة الرؤية منه إلى إمكانها.
والمحاورات المبثوثة في التراث الإباضي بين بعض الناس، واستفسار بعض العلماء في حلقات عامة للإحراج تدل على أن الموضوع يسترعي انتباه الناس فيحاول كل طرف أن يدعم موقفه وفعلا فإذا وجهت التهم للإباضية قل أن تنسى قضية الرؤية على أساس أنها حرمان من لذة في الجنة لا مثيل لها، لكن هذا ليس من منطلق عقلي وإنما من منطلق نقلي فماذا عن الاحتجاج النقلي؟