حكم القائلين بالرؤية:
الجزء ١ · صفحة ٣٢١إن منطلق هذا الاحتجاج نصوص قرآنية من المتشابه على أساس ألفاظها أو على أساس مبناها تجاذبها المثبتون للرؤية والنفاة لها كل حسب موقفه. منها الحيرة تجاه رؤية الرسول عليه السلام ربه عند سدرة المنتهى والحقيقة أن النص يصعب أن يفك سره بتحكيم العقل فحسب ولذلك استند كل على نصوص من الحديث والإباضية سندهم في هذا عائشة التي اعتبرت أن ممن يدعي أن الرسول عليه السلام قد رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية.
وإذا كانت الرؤية لم تتم للرسول عليه السلام فمن باب أولى أن ينفيها الإباضية عن بقية الناس في الحياة الدنيا.
ويدخل ضمن هذه القضية طلب موسى عليه السلام من ربه الرؤية وهذا الطلب قد انطلق منه الأشاعرة على أساس أن النبي لا يمكن أن يطلب أمرا مستحيلا وهو معصوم وقد أطالوا في هذا البحث واعتبروا أن هذه الآية من أقوى الحجج النقلية على ثبوت الرؤية لكن الاباضية ومن وافقهم اعتبروا أن توبة موسى بعد أن صعق أقوى دليل على انه أخطأ في حق ربه.
والملاحظ هنا أن الطرفين يقيمان الحجج على التأويل والاستنباط رغم نفور الأشاعرة من التأويل. والذي يلفت انتباهنا من الناحية الحضارية هنا هو حرص كل من الطرفين على تتبع هذه الآية حسب تقسيم منهجي متكامل يترابط بعضه ببعض وهذا مكننا من حصر القضية في محاور محددة بدقة من بداية التحليل.
وإن كانت قضية موسى هذه أثرت الفكر البلاغي أيما إثراء فإن قضية النظر لم تخل من مثل هذا المدد فالنظر عند طرف لا يكون إلا بالبصر والنظر عند الطرف الآخر إذا تعدى بإلى لا يمكن أن يفيد إلا الانتظار وكذلك في شأن التقابل التركيبي الذي يقوم عليه سياق الآية لكن ماذا عن صدى هذا في أوساط الأمة؟ لا شيء في ما نعلم وأنى للناس أن يرتقوا إلى أن " إلى" تكون بمعنى نعمة ويصير لها محل في الإعراب وإنما تهمهم النتيجة وهي في الحقيقة معروفة من البداية من موقف المتكلم ومذهبه الفكري.