تمهيد:
الجزء ١ · صفحة ٤٦٢الفصل الثاني: الوعد والوعيد وقضية الخلود
تمهيد:
لقد انتهينا إلى أن القدر يبقى سرا من أسرار الله تعالى مهما حاول علماء الكلام الاجتهاد في حل هذا اللغز الغيبي.
وقد بينا أن الإشكال يتفاقم كلما حاول هؤلاء العلماء الربط بين العمل وما يترتب عليه من ثواب وعقاب، وجاءت النتائج متباينة بين الجبرية والقدرية وحاول القائلون بالكسب ومنهم الإباضية التوسط بين الطرفين فحملوا الإنسان طرفا من المسؤولية ليستقيم الأمر والنهي.
ومن البديهي أن الأمر والنهي ينبني عليهما الامتثال أو عدم الامتثال وبالتالي تطرح قضية الجزاء أو ما اصطلح على تسميته عند علماء أصول الدين بالوعد والوعيد (1) .
وإن كانت صلة هذه القضية بالقضاء والقدر وثيقة فلعل صلتها أوثق بما اصطلح عليه بعنوان" الأسماء والأحكام" إشارة إلى المسميات التي تميز بها الفرق بين مستويات الامتثال لأوامر الله تعالى ونواهيه، ومستويات عدم الامتثال وما ينبني على ذلك من الأحكام في الدنيا والآخرة. (2)
والمتأمل في كتب أصول الدين يدرك يقينا أن سبب الخلاف بين الفرق يرجع إلى الاختلاف في تحديد المسميات وإذا كان المنطلقات متباينة فلا يمكن أن تكون النتائج متفقة.
واضح إذن أن لقضية الوعد والوعيد طرفين، طرفا غيبيا وطرفا في علم الشهادة، وإذا علمنا أن الحدود بين الأرض والسماء ليست في منتهى الدقة ندرك أن القضية لابد من أن تحير المتكلمين وقد حيرتهم فعلا وجعلتهم بين متفائل تفاؤلا مطلقا يحشر كل من قال لا إله إلا الله وإن مات مصرا على المعصية في الجنة بوجه من الوجوه، وبين متشائم تشائما مطلقا يعتبر أن المعصية شرك ومن جزؤ عليها يحل دمه وماله وسبي ذراريه ولا سبيل له إلى النجاة وكان منهم المتشائم والمتفائل والمعتدل في شأن مصير من خلط عملا صالحا وآخر سيئا.
وقبل أن نحلل هذه القضية يحسن أن نقف عند مسألة الأسماء والأحكام.