البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الأطروحة) فرحات بن علي الجعبيري

التطور التاريخي وظهور المعنى الاصطلاحي:

الجزء ١ · صفحة ٣٨٤

فقال الشيخ: كيف لم نكن مضطرين والقضاء والقدر ساقنا وعنهما كان مسيرنا وانصرفنا ، فقال علي: ويلك أيها الشيخ لعلك ظننت قضاء لازما وقدرا حاتما لو كان ذلك لبطل الثواب والعقاب والوعد والوعيد والأمر والنهي ولم تكن لائمة على مذهب ولا محمد لمحسن تلك مقالة عبدة الأوثان، وجند الشيطان واعداء الرحمان وشهود الرفة وأهل العمى عن الصواب وهم قدرية الأمة ومجوسها.

إن الله تعالى، أم تخييرا ونهي تحذيرا وكلف يسيرا ولم يعص مغلوبا ولم يطع مكرها ولم يرسل الرسل عبثا ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار فنهض الشيخ مسرورا وهو يقول:( بسيط)

فواضح حينئذ أن عليا نفى نفيا مطلقا ما شعر به الشيخ من جبر يجعل عمله عبثا قضاء لازما وقدرا حاتما وبين أنه لو كان الأمر كذلك لبطل الشرع وأوضح أن ذلك من قول أهل العمى وسماهم القدرية( وهنا ترادف الجبر).

ثم ما أن استقر الأمر لمعاوية الذي حول الخلافة إلى ملك عضوض حتى تسيّست القضية بصفة نهائية وتباينت المواقف بين الدولة الحاكمة والكتل المعارضة.

أما معاوية وأنصاره فقد اعتبروا القضاء ضربا من الجبر لإقناع الناس بوجوب طاعتهم مبينين أن المنكر لأفعال الخليفة ظالم فانظر إلى معاوية يقول في إحدى خطبه: " إنما أنا خازن من خزان الله أعطي من أعطاه الله، وأمنع من منعه الله" فقام إليه أبو الدرداء فقال له: كذبت يا معاوية والله إنك لتعطي من منعه الله وتمنع من أعطاه وكذبه أيضا عبادة بن الصامت. (28)

وسيجد المحكمة وأنصار علي في هذين الموقفين أحسن سند لإقناع الناس بأن معاوية اغتصب الحكم إلا أن معاوية مصر على ذلك، ومدرك لمرامي ما يقول إذ يعلم أن مثل هذا الإيهام من شأنه أن يستهوي عامة الناس ومن يركنون إلى الحياد وهاهو يقول في مقام آخر :" لو لم يرني ربي أهلا لهذا الأمر ما تركني وإياه ولو كره الله تعالى ما نحن فيه لغيره" (29) .

٣٨٤ / ٧٤٦