التطور التاريخي وظهور المعنى الاصطلاحي:
الجزء ١ · صفحة ٣٩٠من هذا نتبين أن المواقف ما يزال سلفيا بحتا يجتنب تحليل القضية والتصرف فيها فأبو عبيدة يثبت لواصل الفرق بين القدر والمقدور (50) ويرد عليه بأن موقف واصل القائل بأن المعصية من خلق الإنسان يؤدي إلى أن الله يعصي بالاستكراه (51) كما أن رده على الرجل الذي سأله عن القدر يثبت تمسكه برأي شيخه صحار الذي يعتبر أن أقوى حجة على القائلين بالقدر هي الإحالة على علم الله تعالى. وواضح في النهاية من خلال نصيحة للربيع أنه يدعو أنصاره إلى التقليل من الخوض في القدر امتثالا لأوامر الرسول عليه السلام.
هذا عن الصراع مع من يقولون من غير الاباضية بالقدر ورد الاباضية عليهم كما بينا كان واضحا إلا أن الأزمة ستشتد داخل المذهب وسيفرض الواقع على أبي عبيدة أن يتخذ موقفا مضبوطا سيكون له بعيد الأثر في ما بعد.
يروي أبو سفيان ما دار بين حمزة الكوفي (52) وأبي عبيدة من جدل حاد حول قضية القدر انتهى بقول أبي عبيدة :" يا حمزة على هذا القول فارقت غيلان" (53) وحاول حاجب الطائي (54) أن يستصلح من أمر حمزة لكنه أصر وظل يستدرج النساء والضعفاء الى القول بأن السيئات من العباد فهنالك اجتمع الناس عند حاجب بمحضر أبي عبيدة وتمت البراءة منه. (55)
وسيكون لحمزة هذا أثر فعال في اشعال نار الفتنة مع شعيب وأبي المؤرج وعبدالله بن زيد الفزاري (56) عندما أنكر يزيد بن فندين (57) إمامه الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمان الرستمي. (58)
والمهم حينئذ أن أبا عبيدة وجمهور الاباضية في القرن الثاني هجري/ الثامن ميلادي استقروا على أن القدر كله من الله تعالى وقد سلك الربيع ابن حبيب نفس المسلك.