البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الأطروحة) فرحات بن علي الجعبيري

التعريف الاصطلاحي للقضاء والقدر

الجزء ١ · صفحة ٤١٠

والمشيئة الأخرى مشيئة في خلق الخلق وقسم الأرزاق وما أراد في إنفاذ ما قد سبق عنده في علمه من الأمور وما به الخلق عاملون وإليه صائرون.

ولو كانت المشيئة من أمر الله تعالى واحدة كما قالت القدرية (95) لم يختلف على الله في ما أراد من الخلق كما لم يختلف إرادته في خلق السماوات والأرض وغير ذلك وكان العباد في أمرهم به مطيعين كما أطاعته السماوات والأرض إذا أجابتا حين قال للسماوات والأرض ( ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين) (41 فصلت 11) (96) ".

بهذه الطريقة وجد الإباضية مخرجا لما جاء في القرآن بصيغة المشيئة يوحي بالجبر فيميزوا بين مشيئتين مشيئة لأمر ومشيئة إرادة.

كما يحتج الجبرية بقوله تعالى ( وما تشاؤون إلا أن يشاء الله) (81 التكوير 29) فيخرجها الإباضية بهذا المسلك.

" وما تشاؤون شيئا أو اتخاذ سبيل إلا أن يشاء الله: إلا وقت مشيئة الله لمشيئتكم…والله عز وجل شاء كفر الكافرين وإيمان المؤمنين بلا إجبار وخلق الكفر والطاعة وللكافر والمؤمن اختيار مخلوق لله عز وجل " (97) .

فكل هذه المواقف من السياق القرآني تبعد التصور الاباضي عن القول بالجبر وإن بدت في بعض الأحيان غامضة.

أما ربط الهداية والضلال بالمشيئة كما جاء في قوله تعالى ( فيضل الله من يشاء) (14 إبراهيم 4).

فلم يطل كل من عمر والتلاتي (98) ويوسف المصعبي (99) الوقوف عنده وإنما اكتفيا بالإحالة على تحليل إسماعيل الجيطالي (100) وقد عبر عن ذلك بصفة أوضح محمد اطفيش كما يلي: " وإضلال الله خذلان وهدايته توفيق، ولا إجبار وهما أزليان ولا يتخلفان" (101) .

٤١٠ / ٧٤٦